فهرس الكتاب

الصفحة 620 من 864

وهذا تركيب من أعلى طَرَف البلاغة؛ لأنه يجمع أحوال العداوات، فيعلم أن الإحسان ناجح في اقتلاع عداوة المحسَن إليه للمُحْسِنِ على تفاوت مراتب العداوة قوة وضعفًا، وتمكنًا وبعدًا، ويعلم أنه ينبغي أن يكون الإحسان للعدو قويًا بقدر تمكن عداوته؛ ليكون أنجع في اقتلاعها.

ومن الأقوال المشهورة: النفوس مجبولة على حبِّ من أحسن إليها.

والتشبيه في قوله: [كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ] تشبيه في زوال العداوة، ومخالطة شوائب المحبة؛ فوجه الشبه هو المصافاةُ والمقاربةُ وهو معنى متفاوت الأحوال، أي مقول على جنسه بالتشكيك على اختلاف تأثر النفس بالإحسان، وتفاوت قوة العداوة قبل الإحسان، ولا يبلغ مبلغ المشبَّه به؛ إذ من النادر أن يصير العدو وليًا حميمًا، فإن صاره فهو لعوارضَ غيرِ داخلةٍ تحت معنى الإسراع الذي آذنت به (إذا) الفجائية. 24/292_293

6_ [وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) ] .

وهذا تحريض على الارتياض بهذه الخصلة بإظهار احتياجها إلى قوة عزم، وشدة مراس للصبر على ترك هوى النفس في حب الانتقام، وفي ذلك تنويه بفضلها بأنها تلازمها خصلةُ الصبر وهي في ذاتها خصلةٌ حميدة، وثوابها جزيل _كما علم من عدة آيات في القرآن_ وحسبك قوله _تعالى_: [إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] .

فالصابر مرتاض بتحميل المكاره، وتجرع الشدائد، وكظم الغيظ؛ فيهون عليه ترك الانتقام. 24/294_295

7_ [وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت