فأما قوله: (شهود الحضرة) : أي: انجذاب الروح والقلب من الكائنات, وعكوفه على رب البريات, فهو في حضرة قربه مشاهدًا لها, وإذا وصل القلب إليها غشيته الهيبة, وزالت عنه التفرقة, إذ ما مع الله سواه فلا يخطر بباله في تلك الحال سوى الله وحده.
وأما قوله: (ولا يوقف لها على غاية) : فيعني أنَّ كل من وصل إلى مطلوبه وظفر به وصل إلى الغاية, إلا صاحب هذا المشهد فإنه لا يقف بحضرة الربوبية على غاية, فإن ذلك مستحيل بل إذا شهد تلك الروابي, ووقف على تلك الربوع, وعاين الحضرة التي هي غاية الغايات شارفَ أمرًا لا غاية ولا نهاية له. والغايات والنهايات كلها تنتهي إلى الله { وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ 4'pkyJYكJّ9$# (42) } [1] فانتهت إليه الغايات والنهايات, وليس له سبحانه غاية ولا نهاية لا في وجوده ولا في مزيد جوده [2] .
الفصل الخامس
صور من الحياء
... الحياء في السير وكتب التراجم مما يصعب على الباحث والقارئ حصره ، فهي كثيرة لا تحصى ، وكذلك في كتب السنة ، والصور لم تختص بالأمة الإسلامية ، بل تعدت ذلك إلى الجاهليين [3] . ومما وقفت عليه من تلك الأمثلة ما يلي ، وقد قسمتها على مباحث ثلاثة وهي كالتالي:
المبحث الأول: من حياء الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام: -
أولًا: حياء النبي صلى الله عليه وسلم:
(1) سورة النجم ، آية 42 .
(2) منازل السائرين ، 1/54 ، مدارج السالكين ، 2/264 -268"بتصرف".
(3) فقد كان بعضهم يتحرج من القبائح بدافع الحياء, كقصة أبي سفيان مع هرقل, وانظر: صحيح البخاري 1/7, برقم (7) , باب بدء الوحي, وما حصل مع خويلد والد خديجة رضي الله عنها والنبي صلى الله عليه وسلم, وانظر: مسند الإمام أحمد 1/312, برقم (2851) , والطبراني في الكبير12/186, برقم (12838) . وانظر: ديوان المعاني 1/228..