فهرس الكتاب
والأمر الذي لا جدال فيه، هو أن هذه النتيجة لا تعجب العديد من المعجبين بالمذاهب الفلسفية الضخمة -التي يعتبرها الوضعيون المنطقيون ما ورائية فارغة من المعنى- لأنهم يرون أن للقضايا الواردة"في الكتب الميتافيزيقية تأثيرًا في القارئ وتأثيرًا قويًا جدًا في بعض الأحيان، وبناء على ذلك لابد من أنها تعبر عن شيء"
هنا ترى الوضعية المنطقية -ممثلة في زكي نجيب محمود- أن العبارات الماورائية مثلها مثل الشعر الغنائي، إنما تعبر عن مشاعر الإنسان ورغباته، ولا نستطيع أن نحكم عليها بالصدق أو بالكذب، لكنها مع ذلك تختلف عن الشعر الغنائي -في الوقت الذي تتفق معه- من حيث أنها توهم القارئ والسامع بأنها تعبر عن شيء من الأشياء الحسية، في الوقت الذي لا تعبر فيه عن أي شيء من ذلك القبيل، وإنما تعبر فقط"عن الميول الانفعالية أو الإرادية"لأصحابها.
وتنتهي مهمة زكي نجيب محمود الوضعي المنطقي بشأن الماورائية عند هذا الحد، حد إخراجها من دائرة العلم ووضعها في دائرة الفنون، وبعد هذا الحد تترك الماورائية وشأنها، لأن مشاعر الإنسان ورغباته هي من الأمور التي ينبغي أن تراعى.
لكنه يصر على وجوب الفصل بين تلك المشاعر والقضايا العلمية، ويقول في ذلك"إنني لست أقل حرصًا على مشاعر الإنسان وآماله ومثله العليا من هؤلاء الذي يصيحون في وجهي دفاعًا عنها، لكنني أفرق بين لغة العقل ولغة الشعور وهم لا يفرقون" ( [2] ) .
أمام هذه الوقائع نتساءل: ماذا نحن صانعون بهذه الكتب الضخمة التي كتبها الماورائيون على مر العصور!!؟