فهرس الكتاب
وليس للنصوص الشرعية عند زكي محمود حاكمية على أي شيء في حياتنا، وإنما الحاكمية العليا والمقدسة هي حاجاتنا، التي تقرر ما يصح وما لا يصح من التراث ( [6] ) ، ولذا نجده يسخر كثيرًا من قول الحافظ ابن كثير:"فالسعيد من قابل الأخبار بالتصديق والتسليم، والأوامر بالانقياد، والنواهي بالتعظيم" ( [7] ) . ولذا أيضًا ينفي عن التراث الإسلامي أي مقوم حضاري من"القيم الرفيعة"التي جلبتها لنا -في نظره- الحضارة الغربية، حتى ما يظن البعض أنه تشابه بين الاثنين كقيم العدالة والحرية والعلم والمساواة، فهو مجرد تشابه أسماء أما المضمون فمتخلف عند السلف ومتحضر عند الغرب، فنراه يقول:"أنا على علم بمدى التحفز الذي يتحفز به كثيرون دفاعًا عن تراثنا الفكري، ظنًا منهم أن هذا الدفاع لا تتم لهم قواعده وأركانه إلا إذا نبشوا في صحائف الأقدمين، فأخرجوا لفظًا من هنا ولفظًا من هناك، وجملة من هذا الكتاب وأخرى من ذلك، ليثبتوا أن قيم هذا العصر الجديد -وأعني القيم المحمودة الشريفة- قد وردت كلها في تراثنا، وليس بنا حاجة إلى لغو المحدثين، فإن قال المحدثون: حرية ومساواة وعلم وعدل، أجبناهم في انفعال: صح نومكم يا هؤلاء، لقد سبقناكم بكذا قرن من الزمان إلى الحرية والمساواة والعدل والعلم وغيرها من القيم الرفيعة، ويفوتنا دائمًا أن نتروى حتى نستوثق من أن كؤوس هذه الألفاظ ما زالت تحمل شرابها القديم ولم تستبدل به شرابًا جديدًا، به وحده تسري في أجسادنا روح العصر، وبغيره نتخلف لنعيش مع الأقدمين لفظًا ومعنى، وشكلًا ومضمونًا" ( [8] ) .