فهرس الكتاب
ولما قرر زكي محمود أن الشبه بين الحضارتين الغربية والإسلامية هو فقط في الشكل وليس في المضمون، عاد فأكد -كي يمتنع اللبس- أنه يجب أن نأخذ من تراثنا الشكل فقط دون المضمون، فالمناداة بشعار"العدل"و"الحرية"و"الفضيلة"و"المساواة"إنما نأخذها"مضمونًا"من الحضارة الغربية، أما الحضارة الإسلامية فلا بأس أن نأخذ منها"الشكل"فقط، فنراه يقول:"وأستطيع أن ألخص رأيي في ذلك بعبارة واحدة قصيرة؛ تفصيلها وارد في سائر فصول هذا الكتاب، وهي: أن ما نأخذه من تراثنا هو الشكل دون مضمونه" ( [9] ) .
ويحكم تارة على التراث الإسلامي بقوله:"إن هذا التراث كله بالنسبة إلى عصرنا قد فقد مكانته، لأنه يدور أساسًا على محور العلاقة بين الإنسان والله، على حين أن ما نلتمسه اليوم في لهفة مؤرقة هو محور تدور عليه العلاقة بين الإنسان والإنسان" ( [10] ) . ويدعو تارة أخرى إلى إيجاد تركيبة عضوية يمتزج فيها التراث الإسلامي مع عناصر الثقافة الغربية، ويتساءل:"كيف ننسج الخيوط التي استللناها من قماشة التراث مع الخيوط التي انتقيناها من قماشة الثقافة الأوروبية والأمريكية، كيف ننسج هذه الخيوط مع تلك في رقعة واحدة، لحمتها من هنا وسداها من هناك، فإذا هو نسيج عربي ومعاصر" ( [11] ) .
ويؤكد التباين بين الالتزام بالإسلام ومعايشة العصر بفكره ومشكلاته، واستحالة الجمع بينهما، فيقول:"إني لأقولها صريحة واضحة: إما أن نعيش عصرنا بفكره ومشكلاته، وإما أن نرفضه ونوصد دونه الأبواب لنعيش تراثنا، نحن في ذلك أحرار، لكننا لا نملك الحرية في أن نوحد بين الفكرين" ( [12] ) .