فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 392

ويحكم -في دعوته إلى"التقدم"-على الماضي عامة حكمًا كليًا؛ بأنه أقل صلاحية من الحاضر، حيث يقول:"إن الماضي دائمًا وفي كل الظروف أقل صلاحية من الحاضر دائمًا وفي كل الظروف" ( [13] ) ، ويرى"استحالة أن يكون الماضي أكثر رشدًا من الحاضر وأخصب فكرًا وأهدى سبيلًا" ( [14] ) ، ونتيجة لهذه النظرة يقرر أنه: لا حكم لماضٍ على آت بحجة"أننا في تحول، وإذن فنحن في تغير، وإذن فلا حكم لماضٍ على آت" ( [15] ) .

ويدعو زكي محمود إلى هدم العقيدة الراسخة في العقلية العربية الإسلامية؛ القائلة بأن من حق الله في السماء أن يحكم ومن واجب العباد في الأرض أن يذعنوا ويطيعوا، فيقول:"... وأولى هذه الحلقات وأعمقها جذورًا وأكثرها فروعًا هي نظرة العربي إلى العلاقة بين الأرض والسماء، بين المخلوق والخالق، بين الواقع والمثال، بين الدنيا والآخرة، بين المعقول والمنقول، هذه كلها ظلال من موقف واحد وحقيقة واحدة. ونظرة العربي في صميمها هي: أن السماء قد أمرت وعلى الأرض أن تطيع، وأن الخالق قد خط وخطط، وعلى المخلوق أن يقنع بالقسمة والنصيب، وأن المثال سرمدي ثابت، وعلى الواقع أن يقسر نفسه على بلوغه، وأنه إذا ما تعارضت الآخرة والدنيا كانت الآخرة أحق بالاختيار، وأن المنقول إذا تعارض مع المعقول ضحينا بالمعقول ليسلم المنقول. تلك هي وقفة العربي في صميمها، لك أن تقول: إنها وقفة أفلاطوينة أكثر منها أرسطية، إذ هي وقفة من يجعل الثبات للسماء والفناء للأرض، ففي السماء الأصول، وعلى الأرض الأشباح والظلال، إنها ثنائية حادة بين الغيب والشهادة، بين الروح والجسد، بين الإنسان والله، العلاقة بين الطرفين ليست هي التبادل بالأخذ والعطاء، بل هي علاقة الحاكم بالمحكوم" ( [16] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت