فهرس الكتاب
فأمّا أن لا تدري يا أبا خالد وتزعم العفة, وأن تعجز ثم تجنح إلى الرأي؛ وأن تضعف ثم تتمدح بالسلامة؛ فهذه أساليب ابتدعها مَنْ قبلك من أذكياء الثعالب ... وزعموا أنه اقتصر على القول بأن العنقود حامض وأراه ما اقتصر على ذلك إلا لأن زمنه كان أحسن من زمننا وأسلم وأقرب إلى الصدق ... فلو هو كان من ثعالبنا ... لزعم بأنه ابتاع زجاجة من الخل وصبها بيده في حبات العنقود الحلو وبذا صار إلى الحموضة ولهذا تركه!
وكيف تريد ممن عجز عن الفصيح أن يثني عليه, وهو لو أثنى عليه لطولب به, ولو طولب به لبان عجزه وقصوره, ولو ظهر الناس منه على العجز والقصور لما عدُّوه في شيء ولذهب عندهم قليل ما لا يحسنه بالكثير الذي يحسنه؟ )إ.هـ
ونرى هنا إعادةَ صياغة للمثل العربي المعروف بقالبٍ ساخر جعله ملائمًا لثعالب المرحلة!
وأقف خاشعًا لأختم الكلام عن هذا الفصل بالتأمل في هذه الحجة الباترة التي ساقها الرافعي بتسلسلٍ منطقي عجيب..
( وكيف تريد ممن عجز عن الفصيح أن يثني عليه, وهو لو أثنى عليه لطولب به, ولو طولب به لبان عجزه وقصوره, ولو ظهر الناس منه على العجز والقصور لما عدُّوه في شيء ولذهب عندهم قليل ما لا يحسنه بالكثير الذي يحسنه؟ ) .
هذا مقال نشر في مجلة (الزهراء) يواصل فيه الرافعي تأصيله للغة والمنافحة عنها ويسرد الشواهد التاريخية التراثي منها والمعاصر لتفنيد ما أسماه بـ (المذهب الجديد) كما أسلفنا.
بدأ هذا الفصل بتشبيه طريف يبين لنا أصل مخاطبته لـ (أبي خالد) في فصل (الجملة القرآنية) الآنف الذكر, الذي يعقُب هذا الفصل وفق الترتيب الأصلي للكتاب, ولكني رأيت أهمية (الجملة القرآنية) فقدمت فصلًا على فصل _بفوضويتي المعتادة_غير أني لم أشر إلى هذا هنالك, ولعل الغموض الوحيد الذي سببه هذا التقديم هو (أبو خالد) الذي سوف نعرفه عن قرب في هذا الفصل.
يقول الرافعي: