فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 392

إذن القضية هنا قضية منهج وأسلوبٍ لا يمكن المساومة عليهما ولقد أعجبني هذا التشبيه الطريف من الرافعي الذي ينطبق على شريحة فكرية زمنية عريضة تبدأ من زمانه ولا تنتهي بزماننا, فهم كما يقول المثل العامي ): ضيع مشيته ومشية الحمامة) ومن الواضح كما يقرر الرافعي في غير موضع أن أصحاب بدعة المذهب الجديد لم يأتوا بمنهجٍ مستقلٍ مكتمل العناصر جامعٍ مانع كي نقول إن مشروعهم حضاريٌ ذو شخصية عربية يقوم على الحاجة الفعلية للتطوير لا على حاجة وأغراض المستعمر!

وإنما يتبين لك مدى اعتلال أفهامهم وضعفهم المعرفي عند أول أطروحة, وكم هي جميلة تلك الإشارة التاريخية التي أتى بها الرافعي حين بيّن أنّ ابن المقفّع ليسَ بمسلمٍ ولا عربي ولكنه بعد أن نشأ على اللغة العربية والأدب العربي والرواية العربية وتتلمذ على يد (ثور بن يزيد الأعرابي) والذي كان من أفصح الناس لسانًا ومع ذلك لم تتأثر فصاحته بما ترجمه من اليونانية والفارسية ولم يقل بوجوب هدم البيان العربي بعدما وجد الحكمة والخيال وأساليب الحكاية الكتابية في الأدب اليوناني, وإنما صهر كل هذه الآداب الإنسانية ودمجها في اللغة ولم يدمج اللغة فيها.

ثم يشير الرافعي إشارةً هامة تبين الانفتاح المعرفي في تراث الأدب العربي و أن القضية ليست تحجرًا وانغلاقا, فيقرر أن اللغة لم تخلق على الكفاية وقد حكى التاريخ الإسلامي الانفتاح الهائل من العرب على كافة العلوم الإنسانية بلغات شتى لأمم الأرض قاطبة فلم يذوبوا ويذوّبوا لغتهم في هذه اللغات بل أثبتوا قدرة اللغة العربية على التطور والثبات على اعتبار أن الحاجة للتحرير والتطوير مسلّمة عندهم كسنةٍ كونية لا مناص منها, ولكنّ ذلك لا يعني بشكلٍ من الأشكال أن يكون لكل قطرٍ لغة قائمة وأدب مستقل وهو مالم يفعله أحد طوال التاريخ الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت