الصفحة 2 من 19

المقدمة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،

تتعلق مهنة الطب بمقصودٍ عظيمٍ من مقاصد الشرع وهو حفظ النفس، ويُعتبر هذا القصد مشترَكًا إنسانيًا عامًا لا يختلف أحد على أهميته وأهمية هذه المهنة ونبل القائمين عليها، مهما كان جنسهم ودينهم وفلسفتهم للحياة الإنسانية. وإن امتداد آثار التطور العلمي الطبي إلى بعض المجتمعات قد يفضي إلى وجود افتراقٍ ما بين طبيعة الممارسة الطبية المتقدمة والمتشعبة اليوم وبين القوانين والضوابط التي تحكم العلاقة المهنية بين الطبيب والمريض، ولعل هذا أظهر ما يكون في الدول والمجتمعات التي تكون التقنات الطبية فيها مستوردة لا أصيلة، بحيث لا يكون هناك مجال زمني لمجاراة التطور العلمي بالضبط القانوني والأخلاقي، ولا يتعارض هذا مع وجود أصول أو كليات قانونية شرعية تحكم هذه العلاقة في الجملة، غير أن الحاجة اليوم هي للتقنين التفصيلي الذي يمكِّن من فض الخصومات وحسم النزاعات بصورة منضبطة مطردة في المجتمع الواحد على وجه يحفظ الأصول الاعتقادية ويراعي الخصوصيات الاجتماعية ويحقق العدالة بين أفراد المجتمع الواحد.

وحيث إن مناط النزاع في مسائل الخطأ الطبي يتعلق بالأنفس والأعضاء، وحيث إن الله تعالى قد حكم في هذه الخصومات من فوق سبع سماوات، فإن تحقيق العدالة محصور في التزام مرجعية الشريعة في التشريع والقضاء والتنفيذ، قال الله تعالى:"وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدَّق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون" [1] ، فهذه الآية وإن كانت في جنايات العمد العدوان، فإن المقصود من الاستدلال بها بيان أن التحاكم إلى غير شرع الله تعالى في الأنفس والجراحات يفضي إلى الظلم، وهذا واضحٌ من خلال النظر في

(1) سورة المائدة - آية 45

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت