الكلية:"العادة محكَّمة" [1] ، أي أن الأمور التي لم يأت الشرع لها بحدٍ معين فإنه يُرجع فيها إلى العرف، والمقصود بالعرف الخاص العرف الذي يكون سائدًا بين أرباب المهن الخاصة كالحدادين والتجار والأطباء وغيرهم.
وقد حكى الإمام ابن قيم الجوزية إجماع أهل العلم على تضمين الطبيب الجاهل، وكذلك بالنسبة للتعدي فقد حكى عن الإمام الخطابي قوله:"لا أعلم خلافًا في أن المعالج إذا تعدى فتلف المريض كان ضامنًا" [2] ، كما قال الله تعالى:"وما كان لمؤمنٍ أن يقتل مؤمنًا إلا خطأً ومن قتل مؤمنًا خطأً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلَّمة إلى أهله إلا أن يصَّدقوا" [3] ، فهذا أصل في تضمين الضرر الواقع بالخطأ، وهكذا اجتمع لنا من الأدلة ما يقرر مشروعية المساءلة الطبية المهنية من ثلاثة أوجه هي: الجهل - الخطأ - الاعتداء، وسيأتي تفصيل هذه الموجبات في المطلب التالي بإذن الله. وأما مشروعية المساءلة الطبية الأدبية فأدلتها هي عموم الأدلة الدالة على وجوب التزام هذه الآداب، ولعلنا نشير إليها يسيرًا فيما يأتي.
إن ما تقدمت الإشارة إليه من تقرير أصل المساءلة الطبية من جهة، وبيان التفاوت الكبير الحاصل في تقرير موجبات وآثار هذه المساءلة ليعود بنا إلى التأكيد على أهمية تحرير المرجعية التشريعية والقضائية المتعلقة بهذه المسألة لتكون صادرة عن الشريعة منضبطة بقيودها ومنساقة ضمن كلياتها وأصولها العامة، لا سيما وأن فقهاء المسلمين قد أبدعوا في تحرير وضبط ممارسة الطب منذ زمن بعيد، وبلغوا في ذلك شأوًا بعيدًا يغنيهم عن الركون إلى غير الشريعة الغراء.
المطلب الثالث: موجبات المسؤولية الطبية:
(1) القواعد الفقهية - محمد بكر إسماعيل - 151
(2) زاد المعاد (كتاب الطب النبوي) - ابن قيم الجوزية- 4/ 128
(3) سورة النساء - آية 92