حيث تتفاوت آليات إثبات الإهمال الطبي، وتتفاوت تعويضات المرضى عن الضرر الحادث جراء الخطأ الطبي، بالإضافة إلى تزايد العبء الاقتصادي على الأطباء الذين يطالبون بدفع أقساط باهظة للتأمين ضد الخطأ المهني [1] .
إن بحث موجبات وآثار المسؤولية الطبية لا بد من أن ينبني على أصول وقواعد تقرر جوازه واعتباره، وتضع الإطار العام لضوابطه ومعاييره، ويمكن القول بأن الأصل العام الذي تنبني عليه مباحث المسؤولية الطبية تقوم على حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من تطبَّب ولم يُعرف منه طب فهو ضامن" [2] ، فهذا الحديث هو حديث الباب كما يقال، وهو أصلٌ في تضمين الطبيب الجاهل [3] ، وموجب المسؤولية هنا يدور على جهل الطبيب سواء أكان جهلًا علميًا أم عمليًا كما سنبين، ولقد نبه هذا الحديث على أمور يحسن تقريرها في هذا الموضع منها:
1.تقرير وجود الموجب للمسؤولية: وهو هنا الإقدام على ممارسة الطب مع الجهل بهذه الممارسة، قال ابن قيم الجوزية رحمه الله:"وقوله صلى الله عليه وسلم (من تطبب) ولم يقل: من طبَّ، لأن لفظ التفعل يدل على تكلف الشيء والدخول فيه بعسر وكلفة، وأنه ليس من أهله" [4] .
2.تقرير ترتب آثار وقوع الموجب: حيث قال صلى الله عليه وسلم (فهو ضامن) ، قال ابن قيم الجوزية:"وأما الأمر الشرعي (أي في الحديث) فإيجاب الضمان على الطبيب الجاهل" [5] ، فمتى وقع الموجب وهو الجهل وترتب الضرر كان أثر ذلك ضمان الطبيب لما أتلفه من النفس أو الأعضاء.
3.تحكيم العرف في الحكم على الطبيب بالحذق: حيث قال صلى الله عليه وسلم (ولم يُعرف منه طب) ، والمقصود بالعرف هنا العرف الخاص بين الأطباء، وهذا مندرج تحت القاعدة الفقهية
(1) انظر تقرير
(2) المستدرك للحاكم (4/ 236) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، وأخرجه ابن ماجة (3466) ، وأبو داود (4586) ، وغيرهما
(3) ويقاس على الجهل باقي موجبات المسؤولية الطبية كما يتبين لاحقًا
(4) زاد المعاد (كتاب الطب النبوي) - ابن قيم الجوزية - 4/ 127
(5) السابق