الصفحة 112 من 139

الْقَيِّمِ: إنَّهُ فَرَاغُ الْقَلْبِ مِنْ الدُّنْيَا لَا فَرَاغُ الْيَدِ وَهَذَا زُهْدُ الْعَارِفِينَ , وَعَلَامَةُ زُهْدِ الْمُقَرَّبِينَ , وَهُوَ الزُّهْدُ فِيمَا سِوَى اللَّهِ مِنْ دُنْيَا وَجَنَّةٍ وَغَيْرِهِمَا إذْ لَيْسَ لِصَاحِبِ هَذَا الزُّهْدِ إلَّا الْوُصُولُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى , وَالْقُرْبُ مِنْهُ , وَالْحَامِلُ عَلَى الزُّهْدِ أَشْيَاءُ مِنْهَا اسْتِحْضَارُ الْآخِرَةِ وَالْحِسَابِ , {لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَارِثَةَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثَةُ؟ قَالَ أَصْبَحْتُ وَاَللَّهِ مُؤْمِنًا حَقًّا , قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: اُنْظُرْ مَا تَقُولُ فَإِنَّ لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً فَمَا حَقِيقَةُ إيمَانِكَ؟ قَالَ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى الدُّنْيَا فَاسْتَوَى عِنْدِي حَجَرُهَا وَذَهَبُهَا , وَسَهِرْتُ لَيْلِي وَظَمَّاتُ نَهَارِي وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ يَتَمَتَّعُونَ وَإِلَى أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ يُعَذَّبُونَ قَالَ يَا حَارِثَةُ عَرَفْتَ فَالْزَمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى رَجُلٍ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِالْإِيمَانِ فَلْيَنْظُرْ إلَى هَذَا} وَمِنْهَا اسْتِحْضَارُ أَنَّ لَذَّاتِهَا شَاغِلَةٌ لِلْقُلُوبِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَمُوجِبَةٌ لِطُولِ الْحَبْسِ وَالْوُقُوفِ لِلْحِسَابِ وَالسُّؤَالِ عَنْ شُكْرِ النِّعَمِ , وَمِنْهَا كَثْرَةُ الذُّلِّ وَالتَّعَبِ فِي تَحْصِيلِهَا وَسُرْعَةُ تَقَبُّلِهَا وَمُزَاحَمَةُ الْأَرْذَالِ عَلَيْهَا , وَمِنْهَا حَقَارَتُهَا عِنْدَ اللَّهِ , وَعَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ: مَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِأَعْقَلِ النَّاسِ فَإِنَّهُ يَصْرِفُ فِي الزُّهَّادِ لِأَنَّهُمْ انْقَادُوا لِلْعَقْلِ وَلَمْ يَغْتَرُّوا بِالْأَمَلِ.

وفي درر الحكام:

إذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِالرِّشْوَةِ سَوَاءٌ أَكَانَ حُكْمُهُ قَبْلَ أَخْذِهِ الرِّشْوَةَ أَوْ بَعْدَ أَخْذِ الرِّشْوَةِ فَفِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ. 1 - فَعَلَى قَوْلٍ إنَّ حُكْمَ الْقَاضِي صَحِيحٌ إذَا كَانَ مُوَافِقًا لِلْمَسْأَلَةِ الشَّرْعِيَّةِ سَوَاءٌ فِي الدَّعْوَى الَّتِي ارْتَشَى فِيهَا أَوْ الَّتِي لَمْ يَرْتَشِ فِيهَا وَبِأَخْذِ الرِّشْوَةِ لَا يَبْطُلُ الْحُكْمُ لِأَنَّ حَاصِلَ أَخْذِ الرِّشْوَةِ هُوَ فِسْقُ الْقَاضِي وَبِمَا أَنَّ فِسْقَ الْقَاضِي لَا يُوجِبُ انْعِزَالَهُ فَوِلَايَةُ الْقَاضِي بَاقِيَةٌ , وَإِذَا كَانَ قَضَاؤُهُ بِحَقٍّ يَلْزَمُ نَفَاذُ قَضَائِهِ 2 - وَعَلَى قَوْلٍ آخَرَ لَا يَنْفُذُ حُكْمُ الْقَاضِي فِي الدَّعْوَى الَّتِي ارْتَشَى فِيهَا حَتَّى لَقَدْ وَرَدَ فِي الْخَانِيَّةِ: بِأَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ أَخَذَ رِشْوَةً وَحَكَمَ فَحُكْمُهُ غَيْرُ نَافِذٍ بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ كَانَ حُكْمُهُ بِحَقٍّ لِأَنَّ الْقَاضِيَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَكُونُ قَدْ اُسْتُؤْجِرَ لِلْحُكْمِ وَالِاسْتِئْجَارُ لِلْحُكْمِ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ عَلَى الْقَاضِي فِي"الْوَلْوَالِجِيَّةِ آدَابِ الْقَاضِي". وَعَلَى قَوْلٍ ثَالِثٍ: إنَّهُ لَا يَنْفُذُ حُكْمُ الْقَاضِي الْمُرْتَشِي فِي جَمِيعِ الدَّعَاوَى الَّتِي حَكَمَ بِهَا وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ قَوْلُ بَعْضِ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ كَالْخَصَّافِ وَالطَّحْطَاوِيُّ الْمَذْكُورُ فِي الْمَادَّةِ"1794". لَا يَمْلِكُ الْمُرْتَشِي الرِّشْوَةَ وَلَوْ قَامَ الْمُرْتَشِي بِالْأَمْرِ الَّذِي نَدَبَهُ إلَيْهِ الرَّاشِي تَمَامًا فَلِذَلِكَ إذَا كَانَ مَالُ الرِّشْوَةِ مَوْجُودًا فَيُرَدُّ عَيْنًا وَإِذَا كَانَ مُسْتَهْلَكًا فَيُرَدُّ بَدَلًا وَإِذَا كَانَ الرَّاشِي تُوُفِّيَ فَيُرَدُّ إلَى وَرَثَتِهِ وَبِالْحُكْمِ بِالرَّدِّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَخْلِيصُ الْمُرْتَشِي مِنْ حُكْمِ الضَّمَانِ الدُّنْيَوِيِّ أَمَّا الْخَلَاصُ مِنْ الْحُكْمِ الْأُخْرَوِيِّ وَهُوَ الْأَهَمُّ وَاسْتِحْقَاقُ النَّارِ فَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ"الدُّرُّ الْمُنْتَقَى فِي الْغَصْبِ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ". كَذَلِكَ إذَا تُوُفِّيَ الْمُرْتَشِي فَلَا يَمْلِكُ وَارِثُهُ الرِّشْوَةَ وَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا إلَى الرَّاشِي حَتَّى أَنَّهُ إذَا تُوُفِّيَ الرَّجُلُ الَّذِي كَسْبُهُ حَرَامٌ فَيَجِبُ عَلَى وَرَثَتِهِ ; أَنْ يَتَحَرَّوْا أَصْحَابَ ذَلِكَ الْمَالِ الْحَرَامِ فَيَرُدُّوهُ إلَيْهِمْ وَإِذَا لَمْ يَجِدُوهُمْ أَنْ يَتَصَدَّقُوا بِذَلِكَ الْمَالِ"الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الْعِشْرِينَ فِي الْبُيُوعَاتِ الْمَكْرُوهَةِ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت