الصفحة 111 من 139

بِزَاهِدٍ. وَلَقَدْ حُكِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصِ قَالَ: كُنْتُ اعْتَقَدْتُ أَنْ لَا آكُلَ شَيْئًا مِنْ الشَّهَوَاتِ إلَّا الرُّمَّانَ فَاجْتَزْتُ بِرَجُلٍ بِهِ عِلَّةٌ شَدِيدَةٌ وَإِذَا الزَّنَابِيرُ تَقَعُ عَلَيْهِ وَتَاخُذُ مِنْ لَحْمِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا إبْرَاهِيمُ وَعَرَفَنِي مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ مَعْرِفَةٍ فَقُلْتُ لَهُ: أَرَى لَكَ حَالًا مَعَ اللَّهِ فَلَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ حَتَّى يُخَلِّصَكَ مِنْ هَذِهِ الزَّنَابِيرِ , فَقَالَ لِي: وَأَرَى لَكَ حَالًا مَعَ اللَّهِ يَا إبْرَاهِيمُ , فَلَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ حَتَّى يُخَلِّصَكَ مِنْ شَهْوَةِ الرُّمَّانِ فَإِنَّ لَسْعَ الزَّنَابِيرِ عَلَى النُّفُوسِ أَيْسَرُ مِنْ لَدْغِ الشَّهَوَاتِ عَلَى الْقُلُوبِ وَعَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ: الزُّهْدُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ زَايٌ وَهَاءٌ وَدَالٌ , فَالزَّايُ تَرْكُ زِينَةِ الدُّنْيَا , وَالْهَاءُ تَرْكُ هَوَاهَا , وَالدَّالُ تَرْكُ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا حَلَالِهَا وَحَرَامِهَا إلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ حَلَالِهَا , وَإِذَا كَانَ هَكَذَا سُمِّيَ زَاهِدًا وَقِيلَ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ مَا الزُّهْدُ؟ قَالَ: التَّقْوَى , وَعَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ: الزُّهْدُ زُهْدَانِ: زُهْدٌ فِي الدُّنْيَا وَزُهْدٌ فِي الرِّيَاسَةِ وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يَزْهَدْ فِي الرِّيَاسَةِ لَمْ يَنْفَعْهُ زُهْدُهُ فِي الدُّنْيَا , وَعَلَى زُهْدٍ فِي الرِّيَاسَةِ فَهُوَ زَاهِدٌ فِي الدُّنْيَا وَفِيهِ نَظَرٌ لِبُعْدِ تَسْمِيَتِهِ زَاهِدًا إذَا تَرَكَ الرِّيَاسَةَ وَانْهَمَكَ فِي جَمْعِ الْمَالِ الْحَرَامِ وَاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ أَوْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ قَلِيلًا. وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه: الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا رَاحَةُ الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ , وَهَذَا تَعْرِيفُ الزُّهْدِ أَوْ إخْبَارٌ بِحَالِ الزُّهْدِ , قَالَ الدَّارَانِيُّ: لَيْسَ الزَّاهِدُ مَنْ نَفَى هُمُومَ الدُّنْيَا وَاسْتَرَاحَ مِنْهَا إنَّمَا الزَّاهِدُ مَنْ زَهِدَ فِيهَا وَتَعِبَ فِيهَا لِلْآخِرَةِ , وَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ مَا رَاسُ الزَّهَادَةِ؟ قَالَ: أَخْذُ الْأَشْيَاءِ مِنْ حِلِّهَا وَوَضْعُهَا فِي حَقِّهَا , وَعَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ: الزُّهْدُ فِي الرِّيَاسَةِ أَشَدُّ مِنْ الزُّهْدِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّهُمَا قَدْ يَبْذُلُهُمَا الْمَرْءُ فِي طَلَبِ الرِّيَاسَةِ , وَقَالَ الدَّارَانِيُّ: مَا شَغَلَكَ عَنْ اللَّهِ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ فَهُوَ عَلَيْكَ مَشْئُومٌ , فَالزُّهْدُ عِنْدَنَا يَعْنِي عِنْدَ الْعَارِفِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى: تَرْكُ كُلِّ شَيْءٍ يَشْغَلُكَ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقِيلَ لِيَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ: مَتَى يَكُونُ الرَّجُلُ زَاهِدًا؟ قَالَ إذَا بَلَغَ حِرْصُهُ فِي الدُّنْيَا كَحِرْصِ الْحَرِيصِ عَلَى طَلَبِهَا {وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الزُّهْدِ فَقَالَ: أَمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِإِضَاعَةِ الْمَالِ وَلَا بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ , وَلَكِنْ أَنْ تَكُونَ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ أَوْثَقَ مِنْكَ بِمَا فِي يَدِكَ , وَأَنْ يَكُونَ ثَوَابُ الْمُصِيبَةِ أَرْجَحَ عِنْدَكَ} . وَقِيلَ: الزُّهْدُ لُغَةً , الْإِعْرَاضُ عَنْ الشَّيْءِ احْتِقَارًا لَهُ , وَشَرْعًا أَخْذُ قَدْرِ الضَّرُورَةِ مِنْ الْمَالِ الْمُتَيَقَّنِ الْحِلِّ فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الْوَرَعِ إذْ هُوَ تَرْكُ الْمُشْتَبَهِ وَقِيلَ: وَتَرْكُ الدُّنْيَا عَنْ قُدْرَةٍ , وَلَقَدْ قَالَ الطِّيبِيُّ: لَا يُتَصَوَّرُ الزُّهْدُ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ مَالٌ وَلَا جَاهٌ , وَقِيلَ لِابْنِ الْمُبَارَكِ , يَا زَاهِدُ , قَالَ الزَّاهِدُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إذْ جَاءَتْهُ الدُّنْيَا رَاغِمَةً فَتَرَكَهَا , أَمَّا أَنَا فَفِيمَ زَهِدْتُ؟ وَقِيلَ: الزُّهْدُ تَفْرِيقُ الْمَجْمُوعِ وَتَرْكُ طَلَبِ الْمَفْقُودِ وَالْإِيثَارُ عِنْدَ الْقُوَّةِ , وَقَالَ أَبُو يَزِيدَ: مَا غَلَبَنِي أَحَدُ مَا غَلَبَنِي شَابٌّ مِنْ أَهْلِ بَلْخِي مَرَّ عَلَيْنَا حَاجًّا فَقَالَ: يَا أَبَا يَزِيدَ مَا حَدُّ الزُّهْدِ عِنْدَكُمْ؟ فَقُلْتُ: إذَا وَجَدْنَا أَكَلْنَا وَإِذَا فَقَدْنَا صَبَرْنَا , فَقَالَ هَكَذَا كِلَابُ بَلْخَ عِنْدَنَا , قُلْتُ: فَمَا حَدُّ الزُّهْدِ عِنْدَكُمْ؟ فَقَالَ: إذَا فَقَدْنَا شَكَرْنَا وَإِذَا وَجَدْنَا آثَرْنَا وَقِيلَ: الزُّهْدُ النَّظَرُ إلَى الدُّنْيَا بِعَيْنِ احْتِقَارٍ فَتَصْغُرُ فِي عَيْنَيْكَ وَيَسْهُلُ عَلَيْكَ الْإِعْرَاضُ عَنْهَا , وَقِيلَ: الزُّهْدُ قَصْرُ الْأَمَلِ وَالْإِيَاسُ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الضَّحَّاكُ: {قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَزْهَدُ النَّاسِ: قَالَ: مَنْ لَمْ يَنْسَ الْقَبْرَ وَالْبَلَاءَ وَتَرَكَ فُضُولَ زِينَةِ الدُّنْيَا , وَآثَرَ مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى , وَمَنْ لَمْ يَعُدَّ مِنْ أَيَّامِهِ غَدًا , وَعَدَّ نَفْسَهُ مِنْ الْمَوْتَى} وَقِيلَ: الزُّهْدُ أَنْ لَا تَحْزَنَ عَلَى مَا فَاتَ مِنْ الدُّنْيَا وَلَا تَفْرَحَ بِمَا أَتَاكَ مِنْهَا وَأَحْسَنُ حُدُودِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت