فهرس الكتاب
قُوتُهُ مَا وَجَدَ , وَلِبَاسُهُ مَا سَتَرَ وَمَسْكَنُهُ حَيْثُ أَدْرَكَ , الدُّنْيَا سِجْنُهُ , وَالْقَبْرُ مَضْجَعُهُ , وَالْخَلْوَةُ مَجْلِسُهُ , وَالِاعْتِبَارُ فِكْرُهُ , وَالْقُرْآنُ حَدِيثُهُ , وَالزُّهْدُ قَرِينُهُ , وَالْحُزْنُ شَانُهُ , وَالتَّقْوَى إرَادَتُهُ وَالصَّمْتُ غَنِيمَتُهُ , وَالصَّبْرُ مُعْتَمَدُهُ , وَالتَّوَكُّلُ حَسْبُهُ , وَالْعَقْلُ دَلِيلُهُ وَالْعِبَادَةُ حِرْفَتُهُ , وَالْجَنَّةُ مَبْلَغُهُ , وَقِيلَ لِبَعْضِ الزُّهَّادِ: مَا بَالُكَ تَمْشِي عَلَى عَصَا وَلَسْتَ بِكَبِيرٍ وَلَا مَرِيضٍ؟ قَالَ: إنِّي مُسَافِرٌ وَإِنَّهَا دَارُ بُلْغَةٍ وَالْعَصَا مِنْ آلَاتِ السَّفَرِ , وَهَذَا كَمَا قِيلَ لِأَبِي مُقَرِّعٍ: لِمَ تُمْسِكُ الْعَصَا دَائِمًا؟. فَقَالَ وَمَا مَسَكَتْ يَدَيَّ الْعِصِيَّ عَنْ إهَانَةٍ وَلَا اضْطَرَّنِي ضَعْفٌ إلَيْهَا وَلَا ضَرَرْ وَلَكِنَّنِي فِي حَقِّ نَفْسِي حَبَسْتُهَا لِأُعْلِمَهَا أَنَّ الْمُقِيمَ عَلَى سَفَرٍ وَعَنْهُ صلى الله عليه وسلم {إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا زَهَّدَهُ فِي الدُّنْيَا وَرَغَّبَهُ فِي الْآخِرَةِ وَبَصَّرَهُ عُيُوبَ نَفْسِهِ} وَقَالَ أَيْضًا: {ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبُّكَ اللَّهُ وَفِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّكَ النَّاسُ؟} وَقَالَ أَيْضًا صلى الله عليه وسلم: {مَنْ أَرَادَ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ عِلْمًا بِغَيْرِ تَعْلِيمٍ وَهُدًى بِغَيْرِ هِدَايَةٍ فَلْيَزْهَدْ فِي الدُّنْيَا} وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ اشْتَاقَ إلَى الْجَنَّةِ سَارَعَ إلَى الْخَيْرَاتِ , وَمَنْ خَافَ مِنْ النَّارِ لَهَى عَنْ الشَّهَوَاتِ وَمَنْ تَرَقَّبَ الْمَوْتَ تَرَكَ اللَّذَّاتِ وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا هَانَتْ عَلَيْهِ الْمَصَائِبُ} "وَقِيلَ: مَا زَهِدَ الرَّجُلُ فِي الدُّنْيَا إلَّا نَطَقَتْ الْحِكْمَةُ عَلَى لِسَانِهِ , وَعَنْ وَهْبٍ: إنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ , فَإِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إلَيْهَا جَعَلَ الْبَوَّابُونَ يَقُولُونَ: وَعِزَّةِ رَبِّنَا لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ قَبْلَ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْعَاشِقِينَ لِلْجَنَّةِ. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ: إذَا رَأَيْتَ الزَّاهِدَ يَسْتَرِيحُ إلَى طَلَبِ الرُّخْصِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ بَدَا لَهُ فِي الزُّهْدِ (وَ) اعْلَمْ أَنَّ الزُّهْدَ فِي اللُّغَةِ تَرْكُ الشَّيْءِ خَيْرًا أَوْ شَرًّا طَاعَةً أَوْ مَعْصِيَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ , وَالزُّهْدُ بِضَمِّ الزَّايِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ وَالزَّهَادَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ , وَقَالَ الْخَلِيلُ: الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا وَالزُّهْدُ فِي الدِّينِ , وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ ضِدُّ الرَّغْبَةِ فِي الشَّيْءِ إلَّا أَنَّهُ يُقَالُ: زَهِدَ فِيهِ بِمَعْنَى أَعْرَضَ عَنْهُ كَمَا يُقَالُ: زَهِدَ عَنْهُ , وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَالزُّهْدُ كَالزَّهَادَةِ (هُوَ تَرْكُ الْحَرَامِ) مِنْ الْمَالِ وَالْأَفْعَالِ كَالزِّنَى وَسَائِرِ الْمَعَاصِي وَالْأَقْوَالِ الْمُحَرَّمَةِ وَالِاعْتِقَادَاتِ الْمُحَرَّمَةِ , فَمَنْ فَعَلَ كَبِيرَةً فَلَيْسَ زَاهِدًا , وَلَوْ تَرَكَ الْمَالَ رَاسًا , وَيَلْتَحِقُ بِالْحَرَامِ الشُّبَهُ وَحُبُّ الْجَاهِ فَمَنْ أَحَبَّ الْجَاهَ أَوْ يَتْبَعُ الشُّبَهَ فَلَيْسَ زَاهِدًا وَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ: الزُّهْدُ ثَلَاثَةٌ زُهْدٌ فَرْضٌ , وَهُوَ الزُّهْدُ فِي الْحَرَامِ , وَزُهْدٌ فَضْلٌ وَهُوَ الزُّهْدُ فِي الْحَلَالِ , وَزُهْدٌ سَلَامَةٌ وَهُوَ الزُّهْدُ فِي الشُّبُهَاتِ (وَقِيلَ) الزُّهْدُ شَرْعًا هُوَ تَرْكُ (حُبُّهَا) أَيْ حُبُّ الدُّنْيَا بِذَاتِهَا كَأَنْ يُحِبَّ الْحَيَاةَ لَا الطَّاعَةِ , بِالْجَرِّ بِمُضَافٍ مَحْذُوفٍ لِلْعِلْمِ بِهِ , وَتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَوْ بِالرَّفْعِ نِيَابَةً عَنْهُ (وَلَذَّاتُهَا) بِجَرِّ لَذَّاتِ عَطْفًا عَلَى (هَا) بِلَا إعَادَةِ الْجَارِ أَوْ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى مَحِلِّ (هَا) لِأَنَّهَا مَفْعُولٌ بِهِ مُضَافٌ إلَيْهِ , أَوْ بِالرَّفْعِ نِيَابَةً عَنْ الْمُضَافِ أَيْ وَحُبِّ لَذَّاتِهَا أَوْ بِعَطْفٍ عَلَى حُبِّ أَيْ وَتَرْكُ لَذَّاتِهَا وَإِنْ قَدَّرْنَا وَحُبِّ لَذَّاتِهَا فَالتَّقْدِيرُ أَيْضًا وَتَرْكُ حُبِّ لَذَّاتِهَا (وَإِيثَارُهَا) أَيْ اخْتِيَارُ أُمُورِهَا عَلَى أُمُورِ الْآخِرَةِ (وَفَرَحٌ بِنِيلِهَا) أَيْ بِنِيلِ أَمْرِهَا (وَحُزْنٌ عَنْ فَائِتِهَا) أَيْ عَنْ فَائِتٍ مِنْ أُمُورِهَا وَإِيثَارُ مَعْطُوفٌ عَلَى حُبِّ , وَكَذَا فَرَحٌ وَحُزْنٌ فَيُجَرُّنَّ إنْ جُرَّ وَيُرْفَعْنَ إنْ رُفِعَ وَكَذَا لَفْظُ كُلِّ بَعْدَ هَذَا فَكَأَنَّهُ قَالَ: تَرْكُ حُبِّهَا وَتَرْكُ حُبِّ لَذَّاتِهَا أَوْ تَرْكُ لَذَّاتِهَا وَتَرْكُ إيثَارِهَا وَتَرْكُ فَرَحٍ بِنِيلِهَا وَتَرْكُ حُزْنٍ عَنْ فَائِتِهَا (وَ) تَرْكُ (كُلِّ) أَمْرٍ (شَاغِلٍ عَنْ) أَمْرِ (الْآخِرَةِ) وَإِذَا لَمْ يَتْرُكْ بَعْضًا مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِزَاهِدٍ , وَلَوْ تَرَكَ الْبَاقِيَ مِثْلُ أَنْ يَتْرُكَ اللَّذَّاتِ كُلَّهَا وَمَا ذُكِرَ كُلُّهُ إلَّا لَذَّةً وَاحِدَةً مِنْ الْحَلَالِ فَلَيْسَ"