فهرس الكتاب
: إنْ أَرَدْتَ أَنْ تَسْكُنَ حَظِيرَةَ الْفِرْدَوْسِ فَكُنْ فِي الدُّنْيَا فَرِيدًا وَحِيدًا هَيُوبًا وَحِيشًا بِمَنْزِلَةِ الطَّائِرِ الْوَحْدَانِيِّ الَّذِي يَظَلُّ فِي الْفَلَوَاتِ وَيَاكُلُ مِنْ رُءُوسِ الْأَشْجَارِ وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءِ الْعُيُونِ فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ آوَى وَحْدَهُ وَلَمْ يَاوِ مَعَ الطَّيْرِ اسْتِئْنَاسًا بِرَبِّهِ , قَالَ الشَّاعِرُ كَمْ لِلْحَوَادِثِ مِنْ صُرُوفٍ عَجَائِبُ وَنَوَائِبُ مَوْصُولَةٍ بِنَوَائِبِ وَلَقَدْ تَقَطَّعَ مِنْ شَبَابِكَ وَانْقَضَى مَا لَيْسَ أَعْلَمُهُ إلَيْكَ بِآيِبِ تَبْغِي مِنْ الدُّنْيَا الْكَثِيرَ وَإِنَّمَا يَكْفِيكَ مِنْهَا مِثْلُ زَادِ الرَّاكِبِ {وَدَخَلَ عُمَرُ رضي الله عنه عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ نَائِمٌ عَلَى سَرِيرٍ مَرْمُولٍ بِشَرِيطٍ فَجَلَسَ فَرَأَى أَثَرَهُ فِي جَنْبِهِ فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ لَهُ صلى الله عليه وسلم مَا الَّذِي أَبْكَاكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ قَالَ ذَكَرْتُ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَمَا هُمَا فِيهِ مِنْ الْمُلْكِ وَذَكَرَتْكَ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَحَبِيبُهُ وَصَفِيُّهُ نَائِمٌ عَلَى سَرِيرٍ مَرْمُولٍ بِشَرِيطٍ فَقَالَ لَهُ أَمَا تَرْضَى يَا عُمَرُ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ الدُّنْيَا وَلَا تَكُونَ لَهُمْ الْآخِرَةُ؟ فَقَالَ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ , قَالَ: فَذَاكَ كَذَلِكَ ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَمِثْلِ رَاكِبٍ سَافَرَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ فَرُفِعَتْ لَهُ شَجَرَةٌ فَاسْتَظَلَّ تَحْتَهَا ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا} . قَالَ الْعُكْبَرِيُّ: وَمِمَّنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا وَأَبْصَرَ عُيُوبَهَا مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ أَبُو عَقَّالٍ عَلْوَانَ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْأَغْلَبِ مِنْ مُلُوكِ الْمَغْرِبِ , وَكَانَ ذَا نَعْمَةٍ وَمُلْكٍ وَفُتُوَّةٍ , فَتَابَ إلَى رَبِّهِ وَرَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَفَارَقَ نُظَرَاءَهُ وَرَفَضَ الْمَالَ وَالْأَهْلَ وَهَجَرَ النِّسَاءَ وَالْوَطَنَ , وَبَلَغَ فِي الْعِبَادَةِ مَبْلَغًا وَفَاقَ الْمُجْتَهِدِينَ وَعُرِفَ بِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ , وَكَانَ عَالِمًا أَدِيبًا وَصَحِبَ رَجُلًا يُكَنَّى أَبَا هَارُونَ الْأَنْدَلُسِيَّ وَكَانَ مُنْقَطِعًا مُتَبَتِّلًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَرَ لَهُ كَبِيرَ اجْتِهَادٍ فِي الْعِلْمِ , فَبَيْنَمَا أَبُو عَقَّالٍ يَجْتَهِدُ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ وَأَبُو هَارُونَ نَائِمٌ إذْ غَلَبَهُ النَّوْمُ فَقَالَ لِنَفْسِهِ: يَا نَفْسُ مَا هَذَا , عَابِدٌ جَلِيلُ الْقَدْرِ يَنَامُ اللَّيْلَ وَأَنَا أَسْهَرُهُ كُلَّهُ فَلَوْ أَرَحْتُ نَفْسِي , فَوَضَعَ جَنْبَهُ إلَى الْأَرْضِ فَرَأَى فِي مَنَامِهِ شَخْصًا فَتَلَا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا} الْآيَةَ فَاسْتَيْقَظَ فَازِعًا وَعَلِمَ أَنَّهُ الْمُرَادُ فَأَيْقَظَ أَبَا هَارُونَ فَقَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ بِاَللَّهِ هَلْ أَتَيْتَ كَبِيرَةً قَطُّ؟. قَالَ: لَا يَا ابْنَ أَخِي وَلَا صَغِيرَةً عَنْ عَمْدٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ , فَقَالَ أَبُو عَقَّالٍ: لِهَذَا تَنَامُ أَنْتَ وَلَا يَصْلُحُ لِمِثْلِي إلَّا الْكَدُّ وَالِاجْتِهَادُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ مَرَّ بَعْضُ الْمُلُوكِ بِبُقْرَاطَ الْحَكِيمِ نَائِمًا فَرَكَضَهُ بِرِجْلِهِ قَالَ: قُمْ , فَقَامَ غَيْرَ مُرْتَاعٍ مِنْهُ وَلَا مُلْتَفِتٍ إلَيْهِ , فَقَالَ لَهُ: أَلَا تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: لَا وَلَكِنِّي أَرَى فِيكَ طَبْعَ الدَّوَابِّ لِأَنَّهَا تَرْكُضُ بِأَرْجُلِهَا فَغَضِبَ فَقَالَ: أَتَقُولُ لِي هَذَا وَأَنْتَ عَبْدِي , فَقَالَ لَهُ بُقْرَاطُ: بَلْ أَنْتَ عَبْدُ عَبْدِي قَالَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ لِأَنَّ شَهَوَاتِكَ قَدْ مَلَكَتْكَ وَأَنَا مَلَكْتُ الشَّهَوَاتِ , فَقَالَ أَنَا الْمَلِكُ ابْنُ سَادَاتِ الْأَمْلَاكِ أَمْلِكُ كَذَا وَكَذَا مِنْ الْبِلَادِ وَكَذَا وَكَذَا مِنْ الرِّجَالِ وَكَذَا وَكَذَا مِنْ الْأَمْوَالِ , قَالَ: أَرَاك تَفْتَخِرُ بِمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِكَ , وَإِنَّمَا سَبِيلُكَ أَنْ تَفْتَخِرَ عَلَيَّ بِنَفْسِكَ وَلَكِنْ تَعَالَ نَخْلَعُ ثِيَابَنَا وَنَتَرَامَى فِي هَذَا النَّهَرِ وَنَتَكَلَّمُ فَحِينَئِذٍ يَتَبَيَّنُ الْفَاضِلُ وَالْمَفْضُولُ. وَعَنْ الْجَاحِظِ أَنَّهُ وَجَدَ مَكْتُوبًا عَلَى حَجَرٍ: يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ رَأَيْتَ يَسِيرَ مَا بَقِيَ مِنْ أَجَلِكَ لَزَهِدْتَ فِي طُولِ مَا تَرْجُو مِنْ أَمَلِكَ وَلَرَغِبْتَ فِي الزِّيَادَةِ مِنْ عَمَلِكَ وَلَقَصَرْتَ مِنْ حِرْصِكَ وَحِيَلِكَ , وَإِنَّمَا يَلْقَاكَ غَدًا نَدَمُكَ وَقَدْ زَلَّتْ بِكَ قَدَمُكَ وَصَرَمَكَ أَهْلُكَ وَحَشَمُكَ وَتَبَرَّأَ مِنْ صُحْبَتِكَ الْقَرِيبُ , وَانْصَرَفَ عَنْكَ الْحَبِيبُ فَلَا أَنْتَ فِي عَمَلِكَ زَائِدٌ وَلَا إلَى أَهْلِكَ عَائِدٌ وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا نَظَرَهُ عِبْرَةٌ وَكَلَامُهُ فِيهَا حِكْمَةٌ وَسُكُوتُهُ فِيهَا فِكْرَةٌ , يَصْبِرُ عِنْدَ الْبَلَاءِ , وَيَشْكُرُ عِنْدَ الرَّخَاءِ , وَيَرْضَى بِجَمِيعِ الْقَضَاءِ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: الزَّاهِدُ الصَّادِقُ