فهرس الكتاب
وَانْطَلَقَ يَلْحَقُ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ لِيَكُونَ مَعَهُمْ قَالُوا أَفْلَتَ عَدُوُّ اللَّهِ أَمَا وَاَللَّهِ لَوْ عَلِمْنَا بِهِ لَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ شَانٌ فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَهُمْ الْخَبَرُ بِذَلِكَ.
بَابٌ فِي الزُّهْدِ وَالرَّغْبَةِ فِي الْإِسْلَامِ (حَمِدَ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا) أَيْ حَمِدَ اللَّهُ الزُّهْدَ فِيهَا أَيْ مَدَحَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الثَّوَابَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا} الْآيَةَ قَالَ أَبُو رَافِعٍ: {نَزَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ضَيْفٌ فَلَمْ يَلْقَ عِنْدَهُ مَا يُصْلِحُهُ فَأَرْسَلَنِي إلَى يَهُودِيٍّ مِنْ بَنِي خَيْبَرَ وَقَالَ لِي: قُلْ لَهُ يَقُولُ لَكَ مُحَمَّدٌ أَسْلِفْ لِي أَوْ بِعْ لِي دَقِيقًا إلَى رَجَبٍ , فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ إلَّا بِرَهْنٍ قَالَ فَأَتَيْتُهُ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ إنِّي لَأَمِينٌ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ وَأَمِينٌ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ وَلَوْ بَاعَنِي أَوْ أَسْلَفَنِي لَأَدَّيْتُهُ , اذْهَبْ إلَيْهِ بِدِرْعِي هَذِهِ قَالَ وَلَمَّا خَرَجْتُ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} الْآيَةَ فَأَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي مَنْ لَمْ يَتَأَدَّبْ بِأَدَبِ اللَّهِ تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ حَسَرَاتٌ , وَمَنْ لَمْ يَرَ لِلَّهِ نَعْمَةً إلَّا فِي مَطْعَمٍ أَوْ فِي مَشْرَبٍ أَوْ مَلْبَسٍ فَقَدْ قَصُرَ عَمَلُهُ وَحَضَرَ عَذَابُهُ , وَمَنْ نَظَرَ إلَى مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ طَالَ حُزْنُهُ وَلَمْ يُشْفَ غَيْظُهُ وَكُلُّ آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ أَوْ أَثَرٍ وَرَدَ فِي مَدْحِ وَتَرْكِ الْمَعْصِيَةِ فَهُوَ مِنْ بَابِ الزُّهْدِ , وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} الْآيَةَ فَأَمَرَهُ بِفِرَاقِهِنَّ إنْ اخْتَرْنَ الدُّنْيَا. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم {أُوحِيَ إلَيَّ كَلِمَاتٌ فَدَخَلْنَ فِي أُذُنَيَّ وَوَقَرْنَ فِي قَلْبِي , مَنْ أَعْطَى فَضْلَ مَالِهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَمَنْ أَمْسَكَ فَهُوَ شَرٌّ لَهُ , وَلَا يَلُومُ اللَّهُ عَلَى الْكَفَافِ} وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَرَةَ {قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَكْفِي مِنْ الدُّنْيَا؟ قَالَ: مَا سَدَّ جَوْعَتَكَ وَسَتَرَ عَوْرَتَكَ فَإِنْ كَانَ دَارٌ فَذَاكَ وَإِنْ كَانَ حِمَارٌ فَبَخٍ بَخٍ فِلْقٌ مِنْ خُبْزٍ وَجُرَعٌ مِنْ مَاءٍ وَأَنْتَ مَسْئُولٌ عَمَّا فَوْقَ الْإِزَارِ} وَعَنْ مُجَاهِدٍ فِي قوله تعالى {وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا} كُلُّ مَنْ مَلَكَ بَيْتًا وَزَوْجَةً وَخَادِمًا فَهُوَ مَلِكٌ , وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي الْمَعْنَى صَحِيحٌ لِأَنَّهُ بِالزَّوْجَةِ وَالْخَادِمِ مُطَاعٌ وَبِالْبَيْتِ مَحْجُوبٌ إلَّا بِإِذْنِهِ , وَعَنْهُ صلى الله عليه وسلم {وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَدْخُلَنَّ فُقَرَاءُ الْمُسْلَمِينَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِخَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ يَاكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ وَيَتَنَعَّمُونَ وَالْآخَرُونَ جَاثُونَ عَلَى رُكَبِهِمْ وَلَيَقُولَنَّ لَهُمْ الْجَبَّارُ جَلَّ جَلَالُهُ: أَنْتُمْ كُنْتُمْ مُلُوكَ النَّاسِ وَحُكَّامَهُمْ وَأَهْلَ الْغِنَى فَأَرَوْنِي مَاذَا صَنَعْتُمْ فِيمَا أَعْطَيْتُكُمْ} . وَعَنْهُ صلى الله عليه وسلم {الْتَقَى مُؤْمِنَانِ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَقِيرٌ وَغَنِيٌّ كَانَا فِي الدُّنْيَا فَأُدْخِلَ الْفَقِيرُ الْجَنَّةَ وَاحْتُبِسَ الْغَنِيُّ مَا شَاءَ اللَّهُ , ثُمَّ دَخَلَهَا فَلَقِيَهُ الْفَقِيرُ فَقَالَ لَهُ: يَا أَخِي احْتَبَسْتُ بَعْدَكَ مُحْتَبَسًا فَظِيعًا كَرِيهًا وَمَا وَصَلْتُ إلَيْكَ حَتَّى سَالَ مِنَى مِنْ الْعَرَقِ مَا لَوْ وَرَدَهُ أَلْفُ بَعِيرٍ كُلُّهَا أَكَلَتْ خَمْطًا لَصَدَرَتْ مِنْهُ رُوَاةً} وَقَالَ مُوسَى عليه السلام يَا رَبِّ أَيُّ عِبَادِكَ أَغْنَى فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ: أَقْنَعُهُمْ بِمَا أَعْطَيْتُهُ وَقَالَ عَلِيٌّ: أَفَادَتْنِي الْقَنَاعَةُ كُلَّ عِزٍّ وَهَلْ عِزٌّ أَجَلُّ مِنْ الْقَنَاعَةِ فَصَيِّرْهَا لِنَفْسِكَ رَاسَ مَالٍ وَصَيِّرْ بَعْدَهَا التَّقْوَى بِضَاعَهْ تَحَرَّزْ حِينَ تَغْنَى عَنْ لَئِيمٍ وَتَنَعَّمْ فِي الْجِنَانِ بِصَبْرِ سَاعَهْ وَعَنْهُ صلى الله عليه وسلم: {طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ لِلْإِسْلَامِ وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافًا وَقَنَعَ بِهِ} وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: {لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ إنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ} وَقِيلَ لِحَكِيمٍ: مَا الْغِنَى؟ قَالَ: قِلَّةُ تَمَنِّيكَ وَرِضَاكَ بِمَا يَكْفِيكَ , وَقِيلَ لِحَكِيمٍ: مَا مَالُكَ؟ قَالَ: الْغِنَى فِي الظَّاهِرِ وَالْقَصْدُ فِي الْبَاطِنِ وَالْإِيَاسُ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ , وَيُرْوَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: {يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا كُلُّهَا لَكَ لَمْ يَكُنْ لَكَ مِنْهَا إلَّا الْمَوْتُ فَإِذَا أَنَا أَعْطَيْتُكَ مِنْهَا الْقُوتَ وَجَعَلْتُ حِسَابَهَا عَلَى غَيْرِكَ فَأَنَا مُحْسِنٌ} . وَعَنْ وَهْبٍ أَنَّهُ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى نَبِيٍّ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ