الصفحة 114 من 139

عَلَى مَالِكِ النِّصَابِ فَلَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ مَالِكٍ كَغَاصِبٍ وَمُودَعٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَأَقَرَّهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ إلَّا مَالٌ حَرَامٌ مَحْضٌ فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ وَلَا زَكَاةَ , وَلَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ مَالِيَّةٌ. وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: التَّصَرُّفَاتُ الْحُكْمِيَّةُ لِلْغَاصِبِ فِي الْمَالِ الْمَغْصُوبِ تَحْرُمُ وَلَا تَصِحُّ , وَذَلِكَ كَالْوُضُوءِ مِنْ مَاءٍ مَغْصُوبٍ وَالصَّلَاةِ بِثَوْبٍ مَغْصُوبٍ أَوْ فِي مَكَان مَغْصُوبٍ , وَكَإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ , وَالْحَجِّ مِنْهُ , وَالْعُقُودِ الْوَارِدَةِ عَلَيْهِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ. وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَالَ الْمَغْصُوبَ يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْغَاصِبِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَأَنْ اخْتَلَطَ بِمَالِهِ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ لِلْغَاصِبِ مَالًا زَكَوِيًّا , إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الدَّيْنُ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ , وَالْغَاصِبُ مَدِينٌ بِمِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ , فَإِنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ فِيهِ. قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: مَنْ مَلَكَ أَمْوَالًا غَيْرَ طَيِّبَةٍ أَوْ غَصَبَ أَمْوَالًا وَخَلَطَهَا , مَلَكَهَا بِالْخَلْطِ وَيَصِيرُ ضَامِنًا , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَاهَا نِصَابٌ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا وَإِنْ بَلَغَتْ نِصَابًا لِأَنَّهُ مَدْيُونٌ وَأَمْوَالُ الْمَدِينِ لَا تَنْعَقِدُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ , فَوُجُوبُ الزَّكَاةِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ لَهُ نِصَابٌ سِوَاهَا , وَلَا يَخْفَى أَنَّ الزَّكَاةَ حِينَئِذٍ إنَّمَا تَجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا لَا فِيهَا. ثُمَّ إنَّ الْمَالَ الْمَغْصُوبَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ صَاحِبُهُ عَلَى أَخْذِهِ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ , وَمَتَى قَدَرَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ فَقِيلَ: لَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ لِمَا مَضَى مِنْ السِّنِينَ لِأَنَّهُ كَانَ مَحْجُوزًا عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى اسْتِنْمَائِهِ (تَنْمِيَتِهِ) فَكَانَ مِلْكُهُ نَاقِصًا , وَقِيلَ: عَلَيْهِ زَكَاتُهُ لِمَا مَضَى , وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْجَدِيدِ. وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يُخْرِجُ زَكَاتَهُ وَيَعُودُ بِهَا عَلَى الْغَاصِبِ , وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ مِنْ بَابِ تَزْكِيَةِ الْغَاصِبِ لِلْمَالِ الْحَرَامِ , وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ فِي الْمَالِ وَهُوَ بِيَدِ الْغَاصِبِ أَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ.

التَّصَدُّقُ بِالْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ:

22 -يُسْتَحَبُّ فِي الصَّدَقَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُتَصَدَّقُ بِهِ أَيْ: الْمَالُ الْمُعْطَى مِنْ أَجْوَدِ مَالِ الْمُتَصَدِّقِ وَأَحَبِّهِ إلَيْهِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالْمَعْنَى لَنْ تَكُونُوا أَبْرَارًا حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ , أَيْ: نَفَائِسِ الْأَمْوَالِ وَكَرَائِمِهَا , وَكَانَ السَّلَفُ - رضي الله عنهم - إذَا أَحَبُّوا شَيْئًا جَعَلُوهُ لِلَّهِ تَعَالَى. فَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ {أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ كَانَ أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ , وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إلَيْهِ بَيْرُحَاءَ , وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ , وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ , قَالَ أَنَسٌ رَاوِي الْحَدِيثِ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إلَيَّ بَيْرُحَاءُ , وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ , أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاك اللَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَشْتَرِي أَعْدَالًا مِنْ سُكَّرٍ وَيَتَصَدَّقُ بِهَا , فَقِيلَ لَهُ: هَلَّا تَصَدَّقْت بِقِيمَتِهَا؟ قَالَ: لِأَنَّ السُّكَّرَ أَحَبُّ إلَيَّ فَأَرَدْت أَنْ أُنْفِقَ مِمَّا أُحِبُّ. وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ حُصُولُ كَثْرَةِ الثَّوَابِ بِالتَّصَدُّقِ مِمَّا يُحِبُّهُ. وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ الْمُتَصَدَّقُ بِهِ كَثِيرًا , وَيُسْتَحَبُّ التَّصَدُّقُ وَلَوْ بِشَيْءٍ نَزْرٍ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ} . وَنَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ التَّصَدُّقِ بِالرَّدِيءِ مِنْ الْمَالِ. قَالَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت