الصفحة 115 من 139

تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} أَيْ: لَا تَتَصَدَّقُوا بِالصَّدَقَةِ مِنْ الْمَالِ الْخَبِيثِ , وَلَا تَفْعَلُوا مَعَ اللَّهِ مَا لَا تَرْضَوْنَهُ لِأَنْفُسِكُمْ. وَرَجَّحَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَنَّ الْآيَةَ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ حَيْثُ قَالَ: لَوْ كَانَتْ فِي الْفَرِيضَةِ لَمَا قَالَ: {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ} لِأَنَّ الرَّدِيءَ وَالْخَبِيثَ لَا يَجُوزُ أَخْذُهُ فِي الْفَرْضِ بِحَالٍ , لَا مَعَ تَقْدِيرِ الْإِغْمَاضِ وَلَا مَعَ عَدَمِهِ , وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مَعَ عَدَمِ الْإِغْمَاضِ فِي النَّفْلِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ بَرَاءٍ , وَالْحَسَنِ , وَقَتَادَةَ , أَنَّ الْآيَةَ فِي التَّطَوُّعِ , نُدِبُوا إلَيْهِ أَنْ لَا يَتَطَوَّعُوا إلَّا بِمُمْتَازٍ جَيِّدٍ وَقَدْ {قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي رَجُلٍ عَلَّقَ قِنْوَ حَشَفٍ فِي الْمَسْجِدِ: لَوْ شَاءَ رَبُّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ تَصَدَّقَ بِأَطْيَبَ مِنْهَا} وَقَالَ: {إنَّ رَبَّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ يَاكُلُ الْحَشَفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} .

الْكَسْبُ الْخَبِيثُ وَمَصِيرُهُ:

17 -طَلَبُ الْحَلَالِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ , وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْأَكْلِ مِنْ الطَّيِّبَاتِ , فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} , وَقَالَ فِي ذَمِّ الْحَرَامِ: {وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {وَلَا يَكْسِبُ عَبْدٌ مَالًا مِنْ حَرَامٍ , فَيُنْفِقُ مِنْهُ فَيُبَارَكُ لَهُ فِيهِ , وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهِ فَيُقْبَلُ مِنْهُ , وَلَا يَتْرُكُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إلَّا كَانَ زَادَهُ إلَى النَّارِ} , وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إلَّا كَانَتْ النَّارُ أَوْلَى بِهِ} . وَالْحَرَامُ كُلُّهُ خَبِيثٌ , لَكِنَّ بَعْضَهُ أَخْبَثُ مِنْ بَعْضٍ , فَإِنَّ الْمَاخُوذَ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ حَرَامٌ , وَلَكِنَّهُ لَيْسَ فِي دَرَجَةِ الْمَغْصُوبِ عَلَى سَبِيلِ الْقَهْرِ , بَلْ الْمَغْصُوبُ أَغْلَظُ ; إذْ فِيهِ إيذَاءُ الْغَيْرِ وَتَرْكُ طَرِيقِ الشَّرْعِ فِي الِاكْتِسَابِ , وَلَيْسَ فِي الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ إلَّا تَرْكُ طَرِيقِ التَّعَبُّدِ فَقَطْ , وَكَذَلِكَ الْمَاخُوذُ ظُلْمًا مِنْ فَقِيرٍ أَوْ صَالِحٍ أَوْ يَتِيمٍ أَخْبَثُ وَأَغْلَظُ مِنْ الْمَاخُوذِ مِنْ قَوِيٍّ أَوْ غَنِيٍّ أَوْ فَاسِقٍ. وَالْكَسْبُ الْخَبِيثُ هُوَ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ لَا عَلَى وَجْهِ إذْنِ الشَّرْعِ , فَيَدْخُلُ فِيهِ الْقِمَارُ وَالْخِدَاعُ وَالْغُصُوبُ وَجَحْدُ الْحُقُوقِ وَمَا لَا تَطِيبُ نَفْسُ مَالِكِهِ , أَوْ حَرَّمَتْهُ الشَّرِيعَةُ وَإِنْ طَابَتْ بِهِ نَفْسُ مَالِكِهِ كَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ وَأَثْمَانِ الْخُمُورِ وَالْخَنَازِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَالْوَاجِبُ فِي الْكَسْبِ الْخَبِيثِ تَفْرِيغُ الذِّمَّةِ وَالتَّخَلُّصُ مِنْهُ بِرَدِّهِ إلَى أَرْبَابِهِ إنْ عَلِمُوا , وَإِلَّا إلَى الْفُقَرَاءِ. قَالَ النَّوَوِيُّ نَقْلًا عَنْ الْغَزَالِيِّ: إذَا كَانَ مَعَهُ مَالٌ حَرَامٌ , وَأَرَادَ التَّوْبَةَ وَالْبَرَاءَةَ مِنْهُ , فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالِكٌ مُعَيَّنٌ وَجَبَ صَرْفُهُ إلَيْهِ أَوْ إلَى وَكِيلِهِ , فَإِنْ كَانَ مَيِّتًا وَجَبَ دَفْعُهُ إلَى وَارِثِهِ , وَإِنْ كَانَ لِمَالِكٍ لَا يَعْرِفُهُ , وَيَئِسَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ , فَيَنْبَغِي أَنْ يَصْرِفَهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ كَالْقَنَاطِرِ وَالرُّبُطِ وَالْمَسَاجِدِ وَمَصَالِحِ طَرِيقِ مَكَّةَ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَشْتَرِكُ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ , وَإِلَّا فَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى فَقِيرٍ أَوْ فُقَرَاءَ , وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ الْقَاضِي إنْ كَانَ عَفِيفًا , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَفِيفًا لَمْ يَجُزْ التَّسْلِيمُ إلَيْهِ , فَإِنْ سَلَّمَهُ إلَيْهِ صَارَ الْمُسْلِمُ ضَامِنًا , بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُحَكِّمَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ دَيِّنًا عَالِمًا , فَإِنَّ التَّحَكُّمَ أَوْلَى مِنْ الِانْفِرَادِ , فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ تَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ , فَإِنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الصَّرْفُ إلَى هَذِهِ الْجِهَةِ , وَإِذَا دَفَعَهُ إلَى الْفَقِيرِ لَا يَكُونُ حَرَامًا عَلَى الْفَقِيرِ , بَلْ يَكُونُ حَلَالًا طَيِّبًا , وَلَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ إذَا كَانَ فَقِيرًا , لِأَنَّ عِيَالَهُ إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ فَالْوَصْفُ مَوْجُودٌ فِيهِمْ , بَلْ هُمْ أَوْلَى مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت