فهرس الكتاب
وَلَهُ هُوَ أَنْ يَاخُذَ مِنْهُ قَدْرَ حَاجَتِهِ ; لِأَنَّهُ أَيْضًا فَقِيرٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ قَوْلَ الْغَزَالِيِّ الْمَذْكُورَ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي هَذَا الْفَرْعِ ذَكَرَهُ الْآخَرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ , وَهُوَ كَمَا قَالُوهُ , وَنَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ أَيْضًا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ رضي الله عنه وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ , وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَالْحَارِثِ الْمُحَاسِبِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْوَرَعِ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إتْلَافُ هَذَا الْمَالِ وَرَمْيُهُ فِي الْبَحْرِ , فَلَمْ يَبْقَ إلَّا صَرْفُهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ. وَمَنْ وَرِثَ مَالًا وَلَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيْنَ كَسَبَهُ مُوَرِّثُهُ: أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ حَرَامٍ؟ وَلَمْ تَكُنْ عَلَامَةٌ فَهُوَ حَلَالٌ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ. وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ إذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَكَسْبُهُ خَبِيثٌ , كَأَنْ كَانَ مِنْ بَيْعِ الْبَاذَقِ أَوْ الظُّلْمِ أَوْ أَخْذِ الرِّشْوَةِ , فَالْأَوْلَى لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَرُدُّوا الْمَالَ إلَى أَرْبَابِهِ , فَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا أَرْبَابَهُ تَصَدَّقُوا بِهِ ; لِأَنَّ سَبِيلَ الْكَسْبِ الْخَبِيثِ التَّصَدُّقُ إذَا تَعَذَّرَ الرَّدُّ عَلَى صَاحِبِهِ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: إنْ عَلِمَ الْمَالَ الْحَرَامَ بِعَيْنِهِ لَا يَحِلُّ لَهُ (لِلْوَارِثِ) أَخْذُهُ , وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ بِعَيْنِهِ أَخَذَهُ حُكْمًا , وَأَمَّا فِي الدِّيَانَةِ فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ بِنِيَّةِ الْخُصَمَاءِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ مَنْ وَرِثَ مَالًا , وَعَلِمَ أَنَّ فِيهِ حَرَامًا وَشَكَّ فِي قَدْرِهِ , أَخْرَجَ الْقَدْرَ الْحَرَامَ بِالِاجْتِهَادِ. وَيَمْنَعُ وَالِي الْحِسْبَةِ النَّاسَ مِنْ الْكَسْبِ الْخَبِيثِ , قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَيَمْنَعُ مِنْ التَّكَسُّبِ بِالْكَهَانَةِ وَاللَّهْوِ , وَيُؤَدِّبُ عَلَيْهِ الْآخِذَ وَالْمُعْطِيَ. وَلِلتَّفْصِيلِ ر: (حِسْبَةٌ ف 34) .
التّخلص من المال الحرام:
13 -إذا كان المال الّذي في يد المسلم حرامًا فإنّه لا يجوز له إمساكه ويجب عليه التّخلص منه , وهذا المال إمّا أن يكون حرامًا محضًا وقد سبق بيان حكمه وطريقة التّخلص منه في مصطلح: (كسب ف 17) .
وإمّا أن يكون مختلطًا بأن كان بعضه حلالًا وبعضه حرامًا ولا يتميّز بعضه عن بعضٍ فجمهور الفقهاء على أنّه يجب على من بيده هذا المال أن يخرج قدر الحرام ويدفعه لمستحقّه ويكون الباقي في يده حلالًا.
قال أحمد في المال المشتبه حلاله بحرامه: إن كان المال كثيرًا أخرج منه قدر الحرام وتصرّف في الباقي , وإن كان المال قليلًا اجتنبه كلّه , وهذا لأنّ القليل إذا تناول منه شيئًا فإنّه تبعد معه السّلامة من الحرام بخلاف الكثير.
وذهب بعض الغلاة من أرباب الورع كما قال ابن العربيّ إلى أنّ المال الحلال إذا خالطه حرام حتّى لم يتميّز ثمّ أخرج منه مقدار الحرام المختلط به لم يحلّ ولم يطب , لأنّه يمكن أن يكون الّذي أخرج هو الحلال والّذي بقي هو الحرام.
مدح النّاس:
5 -الأصل أنّ مدح الغير - كما قال الرّاغب الأصفهاني - ليس في نفسه بمحمود ولا مذمومٍ , وإنّما يحمد ويذم بحسب المقاصد , فمن قصده طلب ما يستحق به الثّناء على الوجه الّذي يستحب فذلك محمود , والمذموم منه: أن يميل إليه من غير تحرّيه لفعل ما يقتضيه , وقد توعّد اللّه تعالى من طلب المحمدة من غير فعل حسنةٍ تقتضيها فقال تعالى: {لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ} .
وقال الغزالي: والمدح تدخله ست آفاتٍ: أربع في المادح , واثنتان في الممدوح.