فهرس الكتاب
فأمّا المادح فالأولى: أنّه قد يفرط فينتهي به إلى الكذب , قال خالد بن معدانٍ: من مدح إمامًا أو أحدًا بما ليس فيه على رءوس الأشهاد بعثه اللّه يوم القيامة يتعثّر بلسانه. والثّانية: أنّه قد يدخله الرّياء , فإنّه بالمدح مظهر للحبّ , وقد لا يكون مضمرًا له ولا معتقدًا لجميع ما يقوله , فيصير به مرائيًا منافقًا.
والثّالثة: أنّه قد يقول ما لا يتحقّقه ولا سبيل له إلى الاطّلاع عليه.
روي أنّ رجلًا مدح رجلًا عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال له عليه الصلاة والسلام: «ويحك قطعت عنق صاحبك، ثمّ قال: إن كان أحدكم مادحًا لا محالة فليقل: أحسب كذا وكذا , إن كان يرى أنّه كذلك , واللّه حسيبه , ولا يزكّي على اللّه أحدًا» .
وهذه الآفة تتطرّق إلى المدح بالأوصاف المطلقة الّتي تعرف بالأدلّة كقوله: إنّه متّقٍ وورع وزاهد وخيّر وما يجرى مجراه , فأمّا إذا قال: رأيته يصلّي باللّيل ويتصدّق , ويحج فهذه أمور مستيقنة , ومن ذلك قوله: إنّه عدل رضا , فإنّ ذلك خفي فلا ينبغي أن يجزم القول فيه إلا بعد خبرةٍ باطنةٍ , سمع عمر رضي الله عنه رجلًا يثني على رجلٍ فقال: أسافرت معه؟ قال: لا , قال: أخالطته في المبايعة والمعاملة؟ قال: لا , قال: فأنت جاره صباحه ومساءه؟ قال: لا , قال: واللّه الّذي لا إله إلا هو لا أراك تعرفه.
الرّابعة: أنّه قد يفرح الممدوح وهو ظالم أو فاسق وذلك غير جائزٍ , قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «إنّ اللّه عزّ وجلّ يغضب إذا مدح الفاسق» .
وقال الحسن: من دعا لظالم بطول البقاء فقد أحبّ أن يعصى اللّه تعالى في أرضه.
والظّالم الفاسق ينبغي أن يذمّ ليغتمّ , ولا يمدح ليفرح.
وأمّا الممدوح فيضره من وجهين:
إحداهما: أنّه يحدث فيه كبرًا وإعجابًا وهما مهلكان , قال الحسن: كان عمر رضي الله عنه جالسًا ومعه الدّرّة والنّاس حوله , إذ أقبل الجارود بن المنذر فقال رجل: هذا سيّد ربيعة , فسمعها عمر رضي الله عنه ومن حوله وسمعها الجارود , فلمّا دنا منه خفقه بالدّرّة فقال: مالي ولك يا أمير المؤمنين؟ قال: مالي ولك أما لقد سمعتها؟ قال: سمعتها فمه قال: خشيت أن يخالط قلبك منها شيء فأحببت أن أطاطىء منك.
الثّاني: هو أنّه إذا أثنى عليه بالخير فرح به وفتر ورضي عن نفسه , ومن أعجب بنفسه قلّ تشمره , وإنّما يتشمّر للعمل من يرى نفسه مقصّرًا , فأمّا إذا انطلقت الألسن بالثّناء عليه ظنّ أنّه قد أدرك.
أمّا إذا سلم المدح من هذه الآفات في حقّ المادح والممدوح لم يكن به بأس , بل ربّما كان مندوبًا إليه.
وقال الخادمي: من السّتّة المتعلّقة بآفات اللّسان - فيما الأصل فيه الإذن والإباحة من جانب الشّرع - المدح , وهو جائز تارةً ومنهي عنه تارةً على اختلاف الأحوال والأوقات , فإن كان للّه ورسوله وسائر الأنبياء والصّالحين ونحوهما ممّن يجب تعظيمه فهو من القرب وأعلى الرتب , وجاز المدح - أي لغيرهم كما صرّح ابن أحمد - لأنّه يورث زيادة المحبّة والألفة واجتماع القلوب.
ثمّ قال الخادمي: لكن جوازه بشروط خمسةٍ: