الصفحة 118 من 139

الأوّل: أن لا يكون المدح لنفسه لأنّ تزكية النّفس لا تجوز , قال اللّه تعالى: {فَََلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} لكن إن كان يقصد التّحديث بالنّعمة فظاهر أنّه جائز بل قد يستحب , وفي حكم مدح النّفس مدح ما يتعلّق بها من الأولاد والآباء والتّلامذة والتّصانيف ونحوها بحيث يستلزم مدح المادح.

والثّاني: الاحتراز عن الإفراط في المدح المؤدّي إلى الكذب والرّياء , وعن القول بما لا يتحقّقه , ولا سبيل له إلى الاطّلاع عليه كالتّقوى والورع والزّهد لكونها من أحوال القلوب , فلا يجزم القول بمثلها بل يقول: أحسب ونحوه.

والثّالث: أن لا يكون الممدوح فاسقًا , فعن أنسٍ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ اللّه عزّ وجلّ يغضب إذا مدح الفاسق» وإنّما يغضب اللّه لأنّه تعالى أمر بمجانبته وإبعاده , فمن مدحه فقد وصل ما أمر اللّه به أن يقطع ووادّ من حادّ اللّه , مع ما في مدحه من استحسان فسقه وإغرائه على إدامته.

والرّابع: أن يعلم أنّ المدح لا يحدث في الممدوح كبرًا أو عجبًا أو غرورًا , فإنّ للوسائل حكم المقاصد , وما يفضي إلى الحرام حرام.

وأمّا إذا أحدث في الممدوح كمالًا وزيادة مجاهدةٍ و سعى طاعةً فلا منع بل له استحباب. والخامس: أن لا يكون المدح لغرض حرامٍ , أو مفضيًا إلى فسادٍ , مثل مدح الأمراء والقضاة ليتوصّل به إلى المال الحرام المجازى به منهم أو التّسلط على النّاس وظلمهم ونحو ذلك.

وقال العز بن عبد السّلام: لا يكثر من المدح المباح , ولا يتقاعد عن اليسير منه عند مسيس الحاجة , ترغيبًا للممدوح في الإكثار ممّا مدح به , أو تذكيرًا له بنعمة اللّه عليه ليشكرها وليذكرها بشرط الأمن على الممدوح من الفتنة.

وقد عقد النّووي بابًا في كتابه رياض الصّالحين بعنوان:"كراهة المدح في الوجه لمن خيف عليه مفسدة من إعجابٍ ونحوه , وجوازه - أي بلا كراهةٍ - لمن أمن ذلك في حقّه"أورد فيه أحاديث في النّهي عن المدح , منها ما رواه أبو موسى رضي الله عنه قال: ... «سمع النّبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يثني على رجلٍ ويطريه في المدحة فقال: أهلكتم أو قطعتم ظهر الرّجل» .

وما رواه همّام بن الحارث عن المقداد رضي الله عنه أنّ رجلًا جعل يمدح عثمان رضي الله عنه فعمد المقداد فجثا على ركبتيه فجعل يحثو في وجهه الحصباء , فقال له عثمان: ما شأنك , فقال إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم المدّاحين فاحثوا في وجوههم التراب» .

وورد أنّه صلى الله عليه وسلم قال لعمر: «ما لقيك الشّيطان سالكًا فجًا قط إلا سلك فجًا غير فجّك» ثمّ قال النّووي: قال العلماء: وطريق الجمع بين الأحاديث - أي في النّهي والإباحة - أن يقال: إن كان الممدوح عنده كمال إيمانٍ ويقين ورياضة نفسٍ ومعرفة تامّة بحيث لا يفتتن ولا يغتر بذلك ولا تلعب به نفسه فليس بحرام ولا مكروهٍ , وإن خيف عليه شيء من هذه الأمور كره مدحه في وجهه كراهةً شديدةً , وعلى هذا التّفصيل تنزل الأحاديث المختلفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت