فهرس الكتاب
فَوْقَ سِتَّةِ أَذْرُعٍ نَادَى مُنَادٍ إلَى أَيْنَ يَا أَفْسَقِ الْفَاسِقِينَ. انْتَهَى. وَفِي الْفَيْضِ عَنْ الْغَزَالِيِّ مِنْ أَبْوَابِ الشَّيْطَانِ وَوَسَاوِسِهِ حُبُّ التَّزَيُّنِ فِي الْبِنَاءِ وَالثِّيَابِ وَالْآثَارِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ إذَا رَأَى ذَلِكَ غَالِبًا عَلَى قَلْبِ إنْسَانٍ فَلَا زَالَ يَدْعُوهُ إلَى عِمَارَةِ الدَّارِ وَتَزْيِينِ سُقُوفِهَا وَحِيطَانِهَا وَتَوْسِعَةِ أَبْنِيَتِهَا وَيَدْعُوهُ إلَى التَّزْيِينِ بِالْأَثْوَابِ الْفَاخِرَةِ وَالدَّوَابِّ فَلَا يَزَالُ يُدْرِجُهُ مِنْ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ إلَى أَجَلِهِ فَيَمُوتُ , وَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ وَاتِّبَاعِ الْهَوَى , ثُمَّ عَنْ الذَّهَبِيِّ بِأَنَّ الْحَدِيثَ مُنْكَرٌ , وَعَنْ الْعِرَاقِيِّ فِيهِ لِينٌ وَانْقِطَاعٌ (طط عَنْ ابْن بَشِيرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم قَالَ: {إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ هَوَانًا} ) أَيْ ذُلًّا وَحَقَارَةً , وَفِي رِوَايَةٍ سُوءًا بَدَلَ هَوَانًا ( {أَنْفَقَ مَالَهُ} ) أَنْفَدَهُ ( {فِي الْبُنْيَانِ} ) نَحْوُ أَجْرِ الصُّنَّاعِ , وَفِي رِوَايَةٍ زَادَ وَالْمَاءِ وَالطِّينِ إذَا كَانَ لِغَيْرِ غَرَضٍ شَرْعِيٍّ أَوْ أَدَّى لِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ أَوْ زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ ; لِأَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِدَارِ قَرَارٍ فَلَا يَعْمُرُهَا إلَّا الْأَشْرَارُ قِيلَ مِثْلُ هَذَا كُلِّهِ إنْ بِالْحَلَالِ , وَإِنْ بِالْحَرَامِ فَأَشَدُّ وِزْرًا كَمَا فِي حَدِيثِ {اتَّقُوا الْحَجَرَ الْحَرَامَ فِي الْبُنْيَانِ فَإِنَّهُ أَسَاسُ الْخَرَابِ} قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ خَرَابِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا بِقِلَّةِ الْبَرَكَةِ وَشُؤْمِ الْبَيْتِ أَوْ أَسَاسُ خَرَابِ الْبِنَاءِ نَفْسِهِ بِأَنْ يُسْرِعَ إلَيْهِ الْخَرَابُ فِي أَمَدٍ قَرِيبٍ , وَقِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ أَمْثَالُهُ عَلَى كَوْنِ الْبِنَاءِ مِنْ الْحَرَامِ أَوْ لِأَجْلِ الْكِبَرِ دُونَ الْأَجْرِ أَوْ عَلَى التَّغْلِيظِ وَالتَّشْدِيدِ لِئَلَّا يَتَوَسَّلَ النَّاسُ إلَيْهِ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ عليه الصلاة والسلام {مَنْ بَنَى بُنْيَانًا فِي غَيْرِ ظُلْمٍ كَانَ أَجْرُهُ جَارِيًا مَا انْتَفَعَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى} رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ أَقُولُ ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الْإِطْلَاقُ الشَّامِلُ لِلْحَلَالِ , وَأَنَّ الْعِلَّةَ مُطْلَقُ الْبِنَاءِ لَا الْمَالُ الْحَرَامُ وَيُؤَيِّدُهُ تَقْيِيدُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ فَوْقَ مَا يَكْفِيهِ وَالثَّانِي بِقَوْلِهِ مَالَهُ إذْ الْأَصْلُ كَوْنُهُ مِنْ الْحَلَالِ بَلْ الْحَرَامُ لَيْسَ مَالًا لَهُ لَكِنَّ ارْتِفَاعَ الْبِنَاءِ لِدَفْعِ ثِقَلِ الْهَوَاءِ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَلْحَقَ بِالْحَاجَةِ. وَأَمَّا لِلتَّفَاخُرِ وَالتَّكْبِيرِ فَلَا شَكَّ فِي حُرْمَتِهِ , وَفِي الْإِحْيَاءِ الدُّنْيَا دَارُ خَرَابٍ , وَأَخْرَبُ مِنْهَا قَلْبُ مَنْ يَعْمُرُهَا وَالْجَنَّةُ دَارُ عُمْرَانٍ , وَأَعْمَرُ مِنْهَا قَلْبُ مَنْ يَطْلُبُهَا , وَقِيلَ أَيْنَ قَيَاصِرَةُ الْقُصُورِ , وَهَرَامِسَةُ الدُّهُورِ , وَأَيْنَ شَدَّادٌ , وَعَادٌ , وَأَيْنَ إرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ - فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَلْبَابِ - وَتَفَكَّرُوا يَوْمَ التَّنَادِّ لُدُّوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ. (فَآفَاتُهَا) أَيْ آفَاتُ الدُّنْيَا , وَفِي نُسْخَةٍ فَأَفَادَ أَيْ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام (كَوْنَهَا عَدُوَّةَ اللَّهِ تَعَالَى) ; لِأَنَّهَا أَبْغَضُ الْخَلْقِ إلَيْهِ (وَ) كَوْنَهَا (جِيفَةً وَمَلْعُونَةً) أَيْ مَطْرُودَةً عَنْ مَوَاقِعِ الرِّضَا (وَصَادَّةً) أَيْ مَانِعَةً مُلْهِيَةً (عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمُفْضِيَةً إلَى الْمَعَاصِي وَالْمَنَاهِي وَحَطِّ الدَّرَجَاتِ وَشِدَّةِ الْحِسَابِ) ; لِأَنَّهُ بِقَدْرِ الْمُحَاسَبَةِ عَلَيْهِ قِلَّةً وَكَثْرَةً (بَلْ) مُفْضِيَةٌ إلَى (الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ وَ) آفَاتُهَا (قِلَّةُ غَنَائِهَا) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ نَفْعِهَا (وَكَثْرَةِ عَنَائِهَا) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ التَّعَبُ وَالْمَشَقَّةُ (وَسُرْعَةُ فَنَائِهَا وَخِسَّةُ شُرَكَائِهَا) إذْ الْمُشْرِكُ وَالْفَاسِقُ شُرَكَاءُ فِيهَا , وَقِيلَ كَالْبَهَائِمِ وَالْحَشَرَاتِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْآفَاتِ.
(وَ) تَرْكُ (تَقْصِيرِ الثِّيَابِ) إذْ السُّنَّةُ جَعْلُهَا لِأَنْصَافِ السَّاقِ , وَهُوَ مُبَاحٌ إلَى الْكَعْبِ وَمَا جَاوَزَهُ حَرَامٌ مَعَ الْخُيَلَاءِ مَكْرُوهٌ عِنْدَ فَقْدِهَا قَالَ فِي الشِّرْعَةِ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم يَلْبَسُ قَمِيصًا تَارَةً إلَى الرُّسْغِ ذَيْلُهُ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ مُسْتَوِيَ الْكُمَّيْنِ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ فَعَلَى هَذَا تَقْصِيرُ الثِّيَابِ سُنَّةٌ , وَفِي شَرْحِهِ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله تعالى عنه أَنَّهُ قَطَعَ قَمِيصَهُ مِنْ رَاسِ الْأَصَابِعِ فَعَابَهُ الْخَوَارِجُ فَقَالَ أَتَعِيبُونَنِي عَلَى