فهرس الكتاب
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ عَطِبَ الْهَدْيُ الْوَاجِبُ فِي الطَّرِيقِ قَبْل مَحِلِّهِ أَوْ عَجَزَ عَنِ الْمَشْيِ إِلَى مَحِلِّهِ لَزِمَ الْمُهْدِيَ نَحْرُهُ مَوْضِعَهُ مُجَزِّئًا، وَصَبَغَ نَعْل الْهَدْيِ الَّتِي فِي عُنُقِهِ فِي دَمِهِ وَضَرَبَ بِهِ صَفْحَتَهُ لِيَعْرِفَهُ الْفُقَرَاءُ فَيَاخُذُوهُ، وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُهْدِي وَعَلَى خَاصَّةِ رُفْقَتِهِ الاكْل مِنَ الْهَدْيِ الْعَاطِبِ - وَلَوْ كَانُوا فُقَرَاءَ - مَا لَمْ يَبْلُغْ مَحِلَّهُ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذُؤَيْبًا أَبَا قَبِيصَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبُدْنِ ثُمَّ يَقُولُ: «إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَىْءٌ فَخَشِيتَ عَلَيْهِ مَوْتًا فَانْحَرْهَا ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِى دَمِهَا ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا وَلاَ تَطْعَمْهَا أَنْتَ وَلاَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ» [1] ... .
وَاسْتَثْنَى الْحَنَابِلَةُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ دَمَ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ حَيْثُ أَجَازُوا الاكْل مِنْهُمَا، جَاءَ فِي الانْصَافِ: وَلاَ يَاكُل مِنْ وَاجِبٍ إِلاَّ مِنْ دَمِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ، هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الاصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ لاَ يَاكُل إِلاَّ مِنْ دَمِ الْمُتْعَةِ فَقَطْ.
وَقَال الاجُرِّيُّ: لاَ يَاكُل مِنْ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ أَيْضًا.
وَعَنْ أَحْمَدَ: يَاكُل مِنَ الْكُل إِلاَّ مِنَ النَّذْرِ - وَجَزَاءُ الصَّيْدِ. وَأَلْحَقَ ابْنُ أَبِي مُوسَى بِهِمَا الْكَفَّارَةَ، وَجَوَّزَ الاكْل مِمَّا عَدَا ذَلِكَ [2] .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا عَطِبَ الْهَدْيُ فِي الطَّرِيقِ وَكَانَ وَاجِبًا لَزِمَهُ ذَبْحُهُ. فَلَوْ تَرَكَهُ حَتَّى هَلَكَ ضَمِنَهُ، وَإِذَا ذَبَحَهُ غَمَسَ النَّعْل الَّتِي قَلَّدَهُ فِي دَمِهِ، وَضَرَبَ بِهَا سِنَامَهُ، وَتَرَكَهُ لِيَعْلَمَ مَنْ مَرَّ بِهِ أَنَّهُ هَدْيٌ فَيَاكُل مِنْهُ، وَصَارَ لِلْمَسَاكِينِ، وَلاَ يَجُوزُ لِلْمُهْدِي وَلاَ لأَِغْنِيَاءِ الرُّفْقَةِ الاكْل مِنْهُ قَطْعًا، وَلاَ لِفُقَرَاءِ الرُّفْقَةِ عَلَى الصَّحِيحِ [3] .
الاِدِّخَارُ مِنْ لَحْمِ الْهَدْيِ:
(1) - صحيح مسلم (3282) - عطب: قارب الهلاك
(2) - كَشَّاف الْقِنَاع 3/ 15، ومطالب أُولِي النُّهَى 2/ 483 - 484، والإنصاف 4/ 104.
(3) - رَوْضَة الطَّالِبِينَ 3/ 190 - 191 و المبسوط - (ج 5 / ص 319) وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع - (ج 5 / ص 296) وشرح الوجيز - (ج 8 / ص 99) والمجموع شرح المهذب - (ج 8 / ص 370) وتحفة المحتاج في شرح المنهاج - (ج 16 / ص 143) والشرح الكبير لابن قدامة - (ج 3 / ص 571) والإنصاف - (ج 6 / ص 475) والمبدع شرح المقنع - (ج 4 / ص 280)