فهرس الكتاب
الرضيع في تلك الحَرَّةِ الملتهبة حول البيت, وهي تروحُ بين الصفا والمروة وقد نَهَكَها العطشُ, وهدَّها الجَهْدُ وأضناها الإشفاقُ على الطفل .. ثم ترجعُ في الجولةِ السابعة وقد حَطَمَها اليأس لتجدَ النبعَ يتدفق بين يدَيِ الرضيع الوضيء. فإذا هي زمزم: ينبوع الرحمة في صحراء اليأس والجدب .. وطيف إبراهيم عليه السلام وهو يرى الرؤيا, فلا يتردد في التضحية بفِلْذةِ كبدِه, ويمضي في الطاعةِ المؤمنة إلى ذلك الأفقِ البعيد: {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى} (102) سورة الصافات فتجيبُه الطاعة الراضيةُ في إسماعيل: (قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) .. وإذا رحمةُ الله تتجلَّى في الفداء: (وناديناه أن يا إبراهيمُ قد صدّقتَ الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إنّ هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم) .. وطيف إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يرفعان القواعدَ من البيتِ في إنابةٍ وخُشوعٍ: (ربَّنا تقبَّلْ منا إنك أنت السميعُ العليم ربَّنا واجعلْنا مُسلِمَيْن لك ومِن ذُرِّيَّتِنا أمةً مُسلمةً لك وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ علينا إنك أنت التوابُ الرَّحيم) .. ثم تتواكبُ الأطيافُ والذكرياتُ من محمد صلى الله عليه وسلم وهو يدرج في طفولته وصِباه فوق هذا الثرى حول هذا البيت, وهو يرفع الحجرَ الأسودَ بيديه الكريمتين فيضعه موضعه؛ ليطفئ الفتنةَ التي كادت تنشبُ بين القبائل وهو يصلِّي وهو يطوفُ وهو يخطبُ وهو يعتكفُ وإنّ خطواته عليه الصلاة والسلام لَتَنْبِضُ حَيَّةً في الخاطر, وتتمثلُ شاخِصةً في الضمير, يكاد الحاجُّ هناك يلمَحُها وهو مُستغرِقٌ في تلك الذكرياتِ، وخطواتُ الحشدِ من صحابتِه الكرامِ وأطيافُهم ترِفُّ فوق هذا الثرى حول ذلك البيت, تكاد تسمعها الأذن وتكاد تراها الأبصار". [1] ورَحِمَ اللهُ الإمامَ القفَّال فقد نقل الرازي في التفسير قولَهُ عن الهَدْي:"كأنَّ المتقرِّبَ بها وبإراقةَ دمائها مُتَصَوَّرٌ بصورةِ مَنْ يَفدي نفسه بما يُعادِلها. فكأنه يبذُل تلك الشاةَ بَدَلَ مُهْجَتِهِ؛ طَلَبًا لمرضاةِ الله تعالى واعْتِرافًا بأنَّ تقصيرَهُ يستحِقُّ مُهْجَتَهُ!" [2] ."
16.إظهار الزهدِ في الدنيا والاستعدادِ للآخرة: فإنّ هذا من أعظمِ المقاصدِ التي ينالها الحاج. وقد نبّه الرّاسخون في العلم على وجوبِ استحضارِ هذه المعاني كما قال ابن الجوزي:"ينبغي للمُحْرِم أن يتصوَّرَ عند إحرامِه إجابةَ الداعي, وعند تجرُّدِهِ من المخيطِ"
(1) - في ظلال القرآن 17/ 2419.
(2) - التفسير الكبير للرازي 23/ 26.