فهرس الكتاب
توجد في غيرها من العبادة، وهذا لأن العبادة شرعت للابتلاء بالنفس كالصلاة والصوم، أو بالمال كالزكاة، وقد اشتمل الحج عليهما مع ما فيه من تحمل الأثقال وركوب الأهوال وخلع الأسباب وقطيعة الأصحاب وهجر البلاد والأوطان وفرقة الأولاد والخلان، والتنبيه على ما يستمر عليه إذا انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء. فالحاج إذا دخل البادية لا يتكل فيها إلا على عتاده، ولا يأكل إلا من زاده، فكذا المرء إذا خرج من شاطىء الحياة وركب بحر الوفاء لا ينفع وحدته إلا ما سعى في معاشه لمعاده، ولا يؤنس وحشته إلا ما كان يأنس به من أوراده، وغسل من يحرم وتأهبه ولبسه غير المخيط وتطيبه مرآة لما سيأتي عليه من وضعه على سريره لغسله وتجهيزه. مطيبًا بالحنوط ملففًا في كفن غير مخيط. ثم المحرم يكون أشعث حيران فكذا يوم الحشر يخرج من القبر لهفان، ووقوف الحجيج بعرفات آملين رغبًا ورهبًا سائلين خوفًا وطمعًا وهم من بين مقبول ومخذول كموقف العرصات {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود: 105] والإفاضة إلى المزدلفة بالمساء هو السوق لفصل القضاء، ومنى هو موقف المنى للمذنبين إلى شفاعة الشافعين، وحلق الرأس والتنظيف كالخروج من السيئات بالرحمة والتخفيف، والبيت الحرام الذي من دخله كان آمنًا من الإيذاء والقتال أنموذج لدار السلام التي هي من نزلها بقي سالمًا من الفناء والزوال غير أن الجنة حفت بمكاره النفس العادية كما أن الكعبة حفت بمتالف البادية، فمرحبًا بمن جاوز مهالك البوادي شوقًا إلى اللقاء يوم التنادي!" [1] "
15.استحضارُ ذكرياتِ الصالحين مِن قَبْلِنا واستخلاصُ الدروسِ النافعة من حال إبراهيم وهاجر وإسماعيل عليهم السلام ولُطْف الله بعباده ورحمته بأوليائه الذين يسارعون إلى فداء دينهم بأنفسهم وأبنائهم. فـ"هو موسمُ عبادةٍ تصفُو فيه الأرواح, وهي تستشعِرُ قُرْبَها مِن الله في البيتِ الحرام. وهي ترِفُّ حول هذا البيت وتستَرْوِحُ الذكرياتِ .. طيف إبراهيم الخليل عليه السلام وهو يُودِع البيت فِلْذَةَ كَبِدِه إسماعيلَ وأمَّه, ويتوجه بقلبه الخافقِ الواجفِ إلى ربه: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} (37) سورة إبراهيم .. وطيف هاجر وهي تسترْوِحُ الماءَ لنفسها ولطفلِها"
(1) - تفسير النسفي - (ج 2 / ص 354) ومدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي 3/ 99.