الصفحة 65 من 367

حجّاجَ بيت الله، تصطفّ هذه الجموع المباركةُ في هذه البقاع الطاهرة من آفاق الدنيا كلِّها قائلةً:"لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، تجمعهم أخوّةٌ إيمانية صادقة ووحدة صافيةٌ ومساواة عادِلة، ذابت بينهم الفوارق العِرقية وتبدّدت كلُّ مظاهر الاعتزاز بالجنس أو اللون.

أما معيارُ المفاضلةِ والتكريم فقد قال سبحانه: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] . فالتقوى هي النسَب، وهي التي ترفع صاحبَها وتُعلي قدرَه، لا فضلَ لعربي على عجميّ ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، وقال سيّد البشر: (( ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبيّة، وليس منا من مات على عصبيّةٍ ) )أخرجه أبو داود [1] .

وفي سياق آيات الحجّ يقول تعالى: لّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [الحج:28] . في الحجّ منافعُ دينيّة ودنيوية، فهو أعظم فرصةٍ لحلّ مشكلات المسلمين وجمع كلمتهم ولَمِّ شملهم وإحياء مبدأ التراحم والتكافُل والقضاء على الفُرقة والتمزُّق. هذه الوحدَة هي سرّ قوّة الأمّة ورقيِّها وسعادتها، وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران:103] .

حذّرنا سبحانه من الفُرقة فقال: وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46] . وتوعّد سبحانه دعاةَ الفرقة بالعذاب فقال سبحانه: وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:105] .

لقد أدرك أعداءُ الإسلام أثَر وحدةِ المسلمين في القوّة والمنَعَة، فعملوا على إيقادِ نار العداوة والبغضاء بين المسلمين في كلّ عصرٍ وحين، وهذه مأساةُ المسلمين الكبرى في واقِعهم المعاصِر.

وفي الحجّ يتعلّم المسلمُ الرفقَ بإخوانه المسلمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في منصَرَفه من عرفةَ إلى مزدلفة: (( السكينة السكينة ) ) [2] .

التراحم يُثمِر محبّةً وألفة ومودّة، والقَسوة تولِّد أحقادًا وكراهية، ومن الرفق أن يُعين أخاه ويفسح له الطريق، يحترمَه ويحبّه، لا يظلمه ولا يؤذيه، قال رسول الله: (( مثَل المؤمنين في

(1) - سنن أبي داود: كتاب الأدب (2151) حسن لغيره

(2) - أخرجه مسلم في الحج (1218)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت