فهرس الكتاب
التقوى غايةُ الأمر وجِماع الخير، هي فعلُ الطاعات واجتناب المحرّمات، وليس السّفر من الدنيا بأهونَ من السفر في الدنيا، وهذا لا بدّ له من زادٍ فكذا، وإذا كان زادُ الدنيا يخلِّصُ من عذاب منقطعٍ موهوم فإنّ زادَ الآخرة يقي من عذابٍ أبديّ معلوم.
وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى تنبيهٌ للحاجّ لاستصحابِ التقوى في قلبه في كلّ خطوةٍ يخطوها، بل ويضاعِف تقواه في السرّ والعلَن، في الحِلّ والحرم، في نفسه ومع غيره، ومن التقوى كفُّ الأذى عن الناس بالقول أو الفعل، قال رسول الله: (( المسلم من سلِم المسلمون من لسانه ويده ) )أخرجه البخاري [1] .
قال تعالى: ذالِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32] . تعظيمُ أعمال الحجّ ومناسك الحجّ من تقوى القلوب، يكون ذلك بإجلالها بالقلبِ ومحبّتها وتكميل العبودية فيها، وفي الحديث أن رسول الله قال: (( لا تزال هذه الأمّة بخيرٍ ما عَظَّموا هذه الحرمةَ حقَّ تعظيمها ـ يعني الكعبة ـ، فإذا ضيّعوا ذلك هلكوا ) )أخرجه ابن ماجه [2] .
وفي سياق آيات الحجّ يقول تعالى: وَأَذّن فِى النَّاسِ بِالْحَجّ يَاتُوكَ رِجَالًا [الحج:27] .
إنّ هذا النداءَ يُبرِز عالميّة الإسلام، فهو يدعو الأنام كلَّهم إلى الإسلام ليحرِّرهم من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد، ومن جَور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضِيق الدنيا إلى سَعَة الآخرة، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] .
الإسلامُ دينٌ عالمي، فقد جمع بين أبي بكر العربيّ وصهيبٍ الروميّ وبلال الحبشيّ وسلمان الفارسيّ وغيرهم من شتّى القبائل والبلدان، وقال: (( وكونوا عبادَ الله إخوانًا ) )متفق عليه [3] .
إن الناظرَ إلى شعائر الحجّ يجدها تدعو إلى محوِ فوارق اللون واللغةِ والجنس، تجلّى ذلك واضحًا في خطبة يوم عرفة بإعلان مبادئ وحقوقِ الإنسان. دينٌ عالميّ؛ لأنه من عند الله وفيه من الكمال والشمول ما لم يوجد في غيره.
(1) - صحيح البخاري: كتاب الإيمان (10)
(2) - سنن ابن ماجه: كتاب المناسك (3110) عن عياش بن أبي ربيعة رضي الله عنه، وأخرجه أيضا أحمد (4/ 347) ، وابن الجعد في مسنده (2296) حسن
(3) - صحيح البخاري: كتاب الأدب (6064، 6065، 6066، 6076) ، صحيح مسلم: كتاب البر والصلة (2559، 2563)