فهرس الكتاب
الرحمات، في هذه الأجواءِ الإيمانية الآمنة يقرّون بذنوبهم، يلتمسون عفوَه ومغفرته ورحمتَه ورضوانه، قال الله تعالى: لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَاكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ [الحج:37] .
وفي سياقِ آيات الحجِّ يقول تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] ، العملُ كلُّ العمل في هذه الدنيا يُراد به وجهُ الله، فمن شروط قَبول الأعمال تحقيقُ الإخلاص لله، أي: أن تقصد ـ أيّها الحاج ـ بعملك وجهَ الله، لا رياءَ ولا سمعة ولا مباهاة، أن تبتغيَ برحلتك المباركة وجهَ الله للفوز بنعيم الجنّة. إن كلَّ حركةٍ ومشهَدٍ ونفقةٍ تؤدِّيها في رحلة الحجّ تقرّبك إلى الله وتزيد في حسناتك، قال: (( الحُجَّاج والعُمّار وفدُ الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفرَ لهم ) )أخرجه ابن ماجه [1] .
ولذا كان رسول الله يسأل ربَّه الإخلاصَ قائلًا كما في حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا: (( اللهم حجّة لا رياءَ فيها ولا سُمعة ) )أخرجه ابن ماجه [2] .
كم للنية الخالصةِ في الحجّ من أثرٍ عظيم في زكاةِ النفس وفلاحها، تأمّل هذا الفضل العظيم في قوله: (( الحجّ المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) ) [3] .
ومن صفاتِ هذا الحجّ أن يكونَ خالصًا لله، والإخلاصُ ليس بالأمر الهيّن، قال أحدُ السلف:"تخليص النيات على العُمّال أشدُّ عليهم من جميعِ الأعمال"، وقيل لأحدهم: أيّ شيء أشدّ على النفس؟ قال:"الإخلاص، إذ ليس لها فيه نصيب"، وقال بعضهم:"إخلاصُ ساعة نجاةُ الأبد".
فالإخلاصُ عزيز، ولا يتخلّص الإنسانُ من الشيطان إلا بالإخلاص، كما في قوله تعالى حكايةً عن إبليس: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لاَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص:82، 83] .
وفي سياق آيات الحجّ يقول الله تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197] . خير ما يتزوّد به الحاجّ في الحجّ التقوى.
(1) - سنن ابن ماجه: كتاب المناسك (2892) والصحيحة (1820) حسن لغيره.
(2) - سنن ابن ماجه: كتاب المناسك (2890) و الصحيحة (2617) حسن لغيره.
(3) - أخرجه البخاري في الحج، باب: وجوب العمرة وفضلها (1773) ، ومسلم في الحج، باب: في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة (