فهرس الكتاب
فرحم الله مَنْ حجَّ فحصَّلَ الحجَّ المبرور، وعاد بذنبٍ مغفور! ومَنْ بَكَى لعدمِ القدرة على ذلك؛ فأنشد:
يا ظاعِنين إلى البيتِ العتيقِ لقد سِرْتُمْ جُسُومًا وسِرْنا نحن أرواحا
إنا أقمْنا على عَجْزٍ ومَعْذِرَةٍ ... ومَنْ أقامَ على عَجْزٍ فقد راحا!
رِحلة الحجّ عبر القرآن الكريم [1]
شرع الله العباداتِ لحِكَمٍ عظيمة ومصالحَ عديدة، أجلُّها تحقيقُ عبودية الله سبحانه والخضوع له فيما أمر ونهى، ومنها تزكيةُ النفس وترويضها على الفضائل.
الحجُّ في حياةِ المسلمين مدرسةٌ عظيمةُ العطاء واسعةُ الأثر بليغةُ العبرة، موسمٌ تسمو فيه الأرواح وتشرِق النفوس. الحجّ ملتقًى كبيرٌ يفِد إليه الحجّاجُ من أنحاء المعمورة إلى الأرض المقدّسة، ألوانٌ مختلفة وأجناسٌ متعدِّدة وألسُنٌ متباينة، يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (( انظروا إلى عبادي، أتَوني شُعثًا غُبرًا ) )أخرجه أحمد [2] .
يحكي القرآنُ دعاءَ إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مّنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم:37] . ويستجيبُ الله دعاءَ خليله، وتمضي الأفئدةُ تهوي إلى هذا المكان لتعمِّره، مُلبِّين مكبّرين خاضعين متذلِّلين، جموعٌ لا تُعَدُّ ولا تُحصى، تطوف وتَسعى، ويستمرّ الطوافُ لا ينقطع مهما بلغ حرُّ النهار أو بردُ الليل، ويبقى البيت العتيقُ مفتوحًا ليلًا ونهارًا.
في الحجّ يشهَد الحاجّ مهبطَ الوحي، ويترسّم خطواتِ النبي، يستروح الذكرياتِ والمعاني، ويرى التأريخ أمامه على أرضِ التاريخ، كلُّ حبَّةِ رملٍ في هذه البقاع تحمل تأريخًا مشرقًا وتنطق بحضارةٍ أضحى عطاؤها للبشرية متحقِّقا.
على المسلم التوبةُ النصوح وتجديدها عند الدخول في هذه المناسك، يعاهِد ربَّه على عبادته، يطيعه ولا يعصيه، يؤدّي الصلوات، يترك السيّئات، يبتعِد عن المحرّمات، فالحجّ ملاذ كلِّ المسلمين، العابدون يزدادون قربًا من مولاهم، والعصاةُ يستروِحون عَبَق
(1) - موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 2946)
عبد الباري بن عوض الثبيتي -المدينة المنورة -24/ 11/1424
(2) - مسند أحمد (2/ 305) وهو صحيح