فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 60

وكإسقاط سهم ذوي القربى ، فإن رعايةَ الحديثِ أوجبُ من رعاية تلك القاعدة المخرَّجة ، وإلى هذا المعنى أشار الشافعيُّ حيث قال [1] :"مَا مِن أَحَدٍ إلَّا وَتَذْهَبُ عَلَيْهِ سُنَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَتَعْزُبُ عَنهُ ، فَمَهْمَا قُلْت مِن قَوْلٍ أَوْ أَصَّلْت مِن أَصْلٍ فِيهِ عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خِلَافَ مَا قُلْت فَالْقَوْلُ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَهُوَ قَوْلِي ، وَجَعَلَ يُرَدِّدُ هَذَا الْكَلَامَ ."

وَقَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا نَسَبَتْهُ عَامَّةٌ أَوْ نَسَبَ نَفْسَهُ إلَى عِلْمٍ يُخَالِفُ فِي أَنْ فَرَضَ اللَّهُ اتِّبَاعَ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَالتَّسْلِيمَ لِحُكْمِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ إلَّا اتِّبَاعَهُ ، وَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ قَوْلُ رَجُلٍ قَالَ إلَّا بِكِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ، وَإِنَّ مَا سِوَاهُمَا تَبَعٌ لَهُمَا ، وَإِنْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَعَلَى مَن بَعْدَنَا وَقَبْلَنَا فِي قَبُولِ الْخَبَرِ عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْفَرْضُ ، وَوَاجِبٌ قَبُولُ الْخَبَرِ عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إلَّا فِرْقَةٌ سَأَصِفُ قَوْلَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ ..اهـ

المبحث الثامن

تتبعُ الكتاب والآثار لمعرفة الأحكام الشرعية:

ومنها أن تتبع الكتاب والآثار لمعرفة الأحكام الشرعية على مراتب:

أعلاها أن يحصلَ له من معرفة الأحكام بالفعل أو بالقوة القريبة من الفعل ما يتمكنُ به من جوابِ المستفتينَ في الوقائع غالبًا بحيث يكونُ جوابُه أكثرَ مما يتوقف فيه ، وتخصُّ (أي هذه المعرفة) باسمِ الاجتهاد .

المبحث التاسع

الإمعانُ في الروايات:

وهذا الاستعدادُ يحصل تارة بالإمعان في جمع الروايات وتتبع الشاذة والفاذة منها كما أشار إليه أحمدُ بن حنبل مع ما لا ينفكُّ منه العاقلُ العارفُ باللغة من معرفة مواقع الكلام ، وصاحبِ العلم بآثار السلف من طريق الجمع بين المختلفات وترتيب الاستدلالات ونحو ذلك ، وتارةً بإحكام طرق التخريج على مذهب شيخ من مشايخ الفقه مع معرفة جملة صالحةٍ من السنَن والآثار، بحيث يعلم أن قوله لا يخالفُ الإجماعَ .

المبحث العاشر

معرفةُ القرآن والسنن تمكِّنُ من معرفة مسائل الفقه:

وهذه طريقةُ أصحاب التخريج وأوسطها من كلتا الطريقتين أن يحصلَ له من معرفة القرآن والسُّنن ما يتمكَّن به من معرفة رؤوس مسائل الفقه المجمَع عليها بأدلتِها التفصيلية ، ويحصل له غايةَ العلم ببعضِ المسائل الاجتهادية من أدلتها، وترجيح بعض الأقوالِ على بعضٍ ونقدِ التخريجات ومعرفة الجيد والزيف .

وقال الخطابي في مقدمة معالم السنن:"رأيتُ أهل العلم في زماننا قد حصلوا حزبين وانقسموا إلى فرقتين أصحاب حديث وأثر ، وأهل فقه ونظر ، وكل واحدة منهما لا تتميز عن أختها في الحاجة ولا تستغني عنها في درك ما تنحوه من البغية والإرادة ، لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل ، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع ، وكلُّ بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهارُ ، وكلُّ أساس خلا عن بناء وعمارة فهو قفرٌ وخرابٌ ."

ووجدت هذين الفريقين على ما بينهم من التداني في المحلين والتقارب في المنزلتين وعموم الحاجة من بعضهم إلى بعض وشمول الفاقة اللازمة لكل منهم إلى صاحبه إخوانًا متهاجرين ، وعلى سبيل الحقِّ بلزوم التناصر والتعاون غيرُ متظاهرين .

فأما هذه الطبقة الذين هم أهلُ الأثر والحديث فإنَ الأكثرين منهم إنمّا وكدُهم الروايات وجمعُ الطرق وطلب الغريب والشاذ من الحديث الذي أكثره موضوع أو مقلوب، لا يراعون المتون ولا يتفهمون المعاني ولا يستنبطون سيرها ولا يستخرجون ركازها وفقهها، وربما عابوا الفقهاء وتناولوهم بالطعن وادعوا عليهم مخالفة السُّننِ ولا يعلمون أنهم عن مبلغ ما أوتوه من العلم قاصرونُ ،وبسوء القول فيهم آثمون .

وأمَّا الطبقة الأخرى وهم أهلُ الفقه والنظر فإن أكثرهم لا يعرِّجون من الحديث إلاّ على أقلِّه ولا يكادون يميزون صحيحه من سقيمه ، ولا يعرفون جيده من رديئه ولا يعبؤون بما بلغهم منه أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق مذاهبهم التي ينتحلونها، ووافق آراءهم التي يعتقدونها، وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في قبولِ الخبر الضعيفِ والحديثِ المنقطع إذا كان ذلك قد اشتهرَ عندهم وتعاورتْه الألسنُ فيما بينهم، من غير ثبت فيه أو يقين علمٍ به ، فكان ذلك ضلةً من الرأي وغبنًا فيه، وهؤلاء وفقنا اللّه وإياهم لو حكي لهم عن واحد من رؤساء مذاهبهم وزعماء نحلهم قولٌ يقولُه باجتهاد من قبل نفسه طلبوا فيه الثقة واستبرؤوا له العهدة . فتجدُ أصحاب مالك لا يعتمدون من مذهبه إلاّ ما كان من رواية ابن القاسم والأشهب وضربائهم من تلاد أصحابه، فإذا وجدت روايةُ عبد اللّه بن عبد الحكم وأضرابه لم تكن عندهم طائلًا .

وترى أصحاب أبي حنيفة لا يقبلون من الرواية عنه إلاّ ما حكاه أبو يوسف ومحمد بن الحسن والعليةُ من أصحابه، والأجلَّةُ من تلامذته ، فإن جاءهم عن الحسن بن زياد اللؤلؤي وذويه رواية قولٍ بخلافه لم يقبلوه ولم يعتمدوه .

وكذلك تجدُ أصحاب الشافعي إنما يعولون في مذهبه على رواية المزني والربيع بن سليمان المرادي ، فإذا جاءت رواية حرملة والجيزي وأمثالهما لم يلتفتوا إليها ولم يعتدُّوا بها في أقاويله . وعلى هذا عادةُ كلِّ فرقة من العلماء في أحكام مذاهب أئمتهم وأستاذيهم .

فإذا كان هذا دأبهم وكانوا لا يقنعون في أمر هذه الفروع وروايتها عن هؤلاء الشيوخ إلاّ بالوثيقة والثبت، فكيف يجوز لهم أن يتساهلوا في الأمر الأهمِّ والخطب الأعظم وأن يتواكلوا الرواية والنقل عن إمام الأئمة ورسول رب العزة ، الواجبِ حكمُه اللازمةِ طاعتُه ، الذي يجب علينا التسليمَ لحكمه والانقيادَ لأمره من حيث لا نجد في أنفسنا حرجًا مما قضاه، ولا في صدورنا غلًا من شيء مما أبرمه وأمضاه.

أرأيتم إذا كان للرجل أن يتساهل في أمر نفسه ويتسامح عن غرمائه في حقه فيأخذ منهم الزيف ويغضي لهم عن العيب، هل يجوز له أن يفعل ذلك في حقِّ غيره إذا كان نائبًا عنه كولي الضعيف ووصي اليتيم ووكيل الغائب ؟ وهل يكون ذلك منه إذا فعله إلا خيانة للعهد وإخفارًا للذمة ؟ .

فهذا هو ذاك إمَّا عيان حسٍّ وإما عيان مثل ، ولكن أقوامًا عساهم استوعروا طريق الحقِّ واستطالوا المدة في درك الحظِّ وأحبُّوا عجالة النيل فاختصروا طريق العلم واقتصروا على نتفٍ وحروفٍ منتزعة عن معاني أصولِ الفقهِ، سموها عللًا وجعلوها شعارًا لأنفسهم في الترسم برسم العلم ، واتخذوها جُنّة عند لقاء خصومهم ونصبوها دريئة للخوض والجدال، يتناظرون بها ويتلاطمون عليها ، وعند التصادر عنها قد حكم للغالبِ بالحذقِ والتبريزِ فهو الفقيهُ المذكور في عصره ، والرئيسُ المعظم في بلده ومصره ، هذا وقد دسّ لهم الشيطانُ حيلةً لطيفةً وبلغ منهم مكيدة بليغةً . فقال لهم: هذا الذي في أيديكم علمٌ قصير وبضاعةٌ مزجاة لا تفي بمبلغ الحاجة والكفاية، فاستعينوا عليه بالكلامِ وصِلوه بمقطعات منه ، واستظهروا بأصول المتكلِّمين يتسعُ لكم مذهبُ الخوض ومجالُ النظر ، فصدَّق عليهم ظنُّه وأطاعه كثيرٌ منهم واتبعوه إلاّ فريقًا من المؤمنين .

فيا للرجال والعقول أنّى يذهب بهم وأنّى يختدعهم الشيطانُ عن حظِّهم وموضع رشدِهم واللّه المستعان . اهـ

المبحث الحادي عشر

أهمية الفقه الإسلامي ومذاهبه [2]

إن الأصول العامة لا يتطرق إليها خطأ في وصفها، ولا قصور في كفايتها وصلاحيتها لكل زمان، لأنها من وضع الخبير الذي أحاط بكل شيء علمًا، وإنما يقع الخطأ والقصور في الاستنباط منها والبناء عليها؛ لأنها من عمل العقول والأفهام، فقد يقع الخطأ في الطريق إلى ذلك لخفاء بعض حلقات الاستنباط والاستدلال أو فقدانها، وقد يقع القصور في تطبيقها للجهل أو للجمود وضيق الأفق في الفهم والتفكير.

وقد صدعوا بعد التفرقة بين عملية الاستنباط المعتد بها والمعتمد عليها، وبين عملية الاستنباط الناقصة الخاطئة، بأن المجتهد لا يجوز له قطعًا أن يعتمد الرأي الذي تستحسنه العقول دون رجوع إلى دلالة ما نزل به الكتاب، وجاءت به السنَّة، فإن ذلك ليس من التشريع الإلهي ولا مما تحتاجه الأمة المسلمة، وهو مرفوض، قال تعالى: { إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ } [الأنعام: 57] ، وقال جل وعلا: { ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [الممتحنة: 10] .

ورغم ما تواضع عليه فقهاء المسلمين من ذلك في كل عصر، فإنا نجد أصحاب الاتجاه المعادي للفقه الإسلامي يحادون المذاهب الفقهية، ويهاجمونها مدعين أنها لم تكن تعبر إلا عن وجهات نظر أصحابها، وهي تترجم عن آراء شخصية، خاضعة في جملتها لبيئات خاصة وعصور معينة، وهذا وإن صح بالنسبة إلى جزئيات الأقوال والآراء المتصلة بالحوادث اليومية مما لا نص فيه، فإنه غير صحيح بالنسبة إلى مجموع الفقه الإسلامي الذي يمثل ثروة تشريعية ضخمة، شاركت في إنشائها وتنميتها شوامخ العقول الإسلامية ابتداء من عصر الصحابة، ومن بعدهم على توالي القرون، مهتدية بالقرآن الكريم والسُّنَّة النبوية المطهرة.

أما دعواهم الأخرى التي تبرز فيما بين تلك المذاهب من تفارق واختلاف في الأحكام، مما لا تقره وحدة الإسلام ولا شريعته الغراء، فمردود لأن المذاهب الفقهية بريئة من ذلك. ومعلوم أن كل إمام من أئمة الحق له في بحر النبوة ورد وله منه شرب، ومما وقفنا عليه من ذلك قول ابن خلدون:

"إن الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية كثر فيه الخلاف بين المجتهدين باختلاف مداركهم وأنظارهم، خلافًا لابد من وقوعه، واتسع في الملة اتساعًا عظيمًا، وكان للمقلدين أن يقلدوا من شاءوا:"

فكلُّهم من رسول الله ملتمسٌ غرفًا من البحر أو رشفًا من الديم

واختلاف المجتهدين ليس تفرقًا في الدِّين ، ولا تجريح فيه للمختلفين، وإنما هو أمر طبيعي فطري يمليه تفاوت الأفهام، كما أنه أثر لاختلاف مناهج البحث وطرق الاستدلال، وهذا لا يجري بينهم في القطعيات التي هي أساس التشريع ومحوره، وما يحدد اتجاه الإسلام وأهدافه، وإنما تظهر فقط فيما دون ذلك من أحكام ونظم.

قال أحد العلماء: فقد يكون في بعض المذاهب الاجتهادية من التيسير ما ليس في البعض الآخر، وكثيرًا ما تتفاوت المذاهب الفقهية شدة ويسرًا، وإن كانت في مجموعها لا تخرج عن دائرة الأصول الشرعية التي بنيت عليها. ومن الصور الفقهية الناطقة بذلك ما نجده بين الأئمة من اختلاف في الأحكام والفتاوى. وهذا في ذاته مصدر ثروة تشريعية ونظريات فقهية متعددة....

وعلى هذا تكون كتب المذاهب المختلفة، وفي مقدمتها كتب الخلاف، وكتب السنن والآثار، والفقه المقارن، قد سجلت القواعد والأحكام الأساسية المقررة في الكتاب والسُّنَّة، ووضعت الركيزة لمن يروم الاجتهاد اليوم، فهو يواصل السير ولا يبدأه من فراغ، ولكنه في عمله الاجتهادي، ينطلق من تلك الثروة الهائلة من الاجتهادات السابقة التي تعتبر الأساس القوي الذي لا يستهان به، ولا يمكن بحال لمجتهد الاستغناء عنه.

ونحن لا نشك بأن في عودتنا لفقهنا وشريعة ربنا وأصالة تراثنا ما يفتح الآفاق الواسعة لإنقاذنا من التبعية الشائنة، ويحررنا من القوانين الأجنبية الوضعية التي لا تتماشى مع طبيعتنا ولا تتجاوب معنا، كما أن في ذلك تحقيقًا لأمانينا وبلوغًا لحاجاتنا. وإننا بما نقوم به في مجمع الفقه الإسلامي؛ نفتح سبيلًا جديدة لا نلتزم فيها بعد عمق النظر والدرس بمذهب واحد؛ وإنما هو الأخذ بالأقوى برهانًا، والأوفى بمقاصد الشارع وتحقيق المصالح.

وفيما يتطلبه هذا المنهج من بحث ودرس ومقارنة ما يرفع أولًا من مدارك العلماء الفقهية، ويمدهم بغزير الفوائد المترتبة على معرفة وجهات أنظار الأئمة في أحكامهم، والمقارنة بين أدلتهم والغوص على أسرار التشريع الإسلامي ومقاصده في مصنفاتهم وكتبهم الكثيرة، وما يمكنهم ثانيًا من التغلب على التعصب للمذاهب الفقهية، وعلى توسيع شقة الخلاف فيما بينها، بدافع الجمود وضيق الأفق، والوقوف من المسائل الخلافية موقف التنطع والتزمت والتضييق على الناس، كما يساندهم في القضاء على الأنانيات والعنصريات والعصبيات المهلكة التي ترتبت على ما ظهر بينهم من فرقة وتقاطع وتدابر، وأولى الناس باجتناب ذلك والتنفير منه العلماء لما قام بين أيديهم من أدلة.

وقد كان من مميزات الأئمة المتقدمين زمانًا وإحسانًا، والعلماء السابقين المتضلعين في الفقه عنايتهم بهذا الشأن، واحتفاؤهم بهذا المنهج، أمثال القاضي عبد الوهاب في الإشراف، والبيهقي في الخلافيات، وعبد الملك الجويني في الجمع والفرق، وابن الدهان في تقويم النظر، وابن رشد الحفيد في البداية، وابن قدامة في المغني، والقرافي في الذخيرة، ونحوهم... وهم بحمد الله كثر.

كما تجلَّى مثل ذلك لدى الشريف المرتضى في الانتصار، والطوسي في الخلاف، والحلي في التذكرة، وابن المرتضى في البحر الزخار. ومثل هذه القوائم يطول في كل مذهب من مذاهب الفقه الإسلامي، بإضافة العدد الكبير من علماء القرون الأخيرة ورجال عصرنا، بما ألقاه الشيوخ من دروس في الجامعات الإسلامية، وأشرفوا عليه من رسائل في هذا الفن. وقد لمسنا ذلك في الأزهر والزيتونة، وفي الموسوعات الفقهية، ووجدناه يتجدد على أيدي دعاة التقريب، أمثال الشيوخ: عبد المجيد سليم، ومحمد أبو زهرة، ومحمود شلتوت، ومحمد محمد المدني، والأعلام من فقهاء أهل البيت كالبروجردي، ومحمد الحسين كاشف الغطاء... ونحوهم.

وإن مما يحقق التقارب بين أهل الملة ما وضعه مجمع الفقه الإسلامي من مشاريع، تلتقي فيها آراء الفقهاء والعلماء من كل صوب، كالموسوعة الفقهية الاقتصادية، ومعجم المصطلحات الفقهية، ومعلمة القواعد، ومدونة أدلة الأحكام الفقهية التي دعا إليها جمهرة من فقهائنا وعلماء عصرنا ممن ينتمي إلى المذاهب الأربعة، ومن إخوتنا من الإمامية والزيدية والإباضية المسهمين معنا في أعمال المجمع ومشاريعه.

وقد كانت الدعوة صريحة إلى هذا التقارب والتوحيد في الخطاب الافتتاحي للمؤتمر التأسيسي لمَجْمَع الفقه الإسلامي، وجاء فيه على لسان خادم الحرمين الشريفين حفظه الله: لقد التزمت المملكة هذه الروح في تنظيمها القضائي، وقررت توحيد الحكم الشرعي في المسائل الخلافية بين المذاهب المعتمدة ؛ وذلك بقرار يصدر عن هيئة علمية للعمل بأقوى المذاهب دليلًا من كتاب الله وسنة رسوله. وقد عقب قوله هذا بالدعوة التي توجه بها إلى عامة المشاركين في المجلس التأسيسي للمجمع قائلًا: أيها الإخوة الكرام؛ إنا لمطالبون جميعًا بالعمل على توحيد الأحكام في البلاد الإسلامية في كل شؤون الحياة على مقتضى أحكام الشريعة الإسلامية؛ فذلك هو السبيل الأوحد لتحقيق الوحدة الإسلامية بين الشعوب المسلمة.

وهكذا تلتقي الريادات السامية، والتوجهات الصادقة بإذن الله، في رحاب دين الله، وفي آداب وأحكام وأصول شريعته الخالدة، على تحقيق التقارب الإسلامي وتجديد بناء وحدة الأمة ، معتبرة أن القيام بهذه الرسالة فريضة على المسلمين، وخاصة في هذه الظروف الصعبة الحالكة التي تمر بها المجتمعات الإسلامية، فإنه لا يدرأ عنها الأخطار وشرور الفتنة، ولا يقيها أسباب التصدع وعوامل الفناء والانقراض، إلا رجوعها إلى دينها وتمسكها بشريعتها، وعملها الجاد في إنقاذ وحدتها وإعلاء كلمتها، وإيجاد الحلول الشرعية البينة لما يجد أو يستشكل من قضايا العصر في كل المجالات.

ولقد أدت الشريعة الإسلامية في الماضي وظيفتها العظيمة - كما قال أحد أعلام رجال القانون - وذلك طالما كان المسلمون متمسكين بها، عاملين بأحكامها، تمسك بها المسلمون الأوائل وعملوا بها وهم قلة مستضعفة يخافون أن يتخطفهم الناس، فإذا هم في عشرين سنة سادة العالم وقادة البشر، ما أوصلهم لهذا إلا الشريعة الإسلامية التي علمتهم وأدبتهم، ورققت نفوسهم، وهذبت مشاعرهم، وأشعرتهم العزة والكرامة ، وأخذتهم بالمساواة التامة والعدالة المطلقة ، وأوجبت عليهم أن يتعاونوا على البرِّ والتقوى، وحرمت عليهم الإثم والعدوان، وحررت عقولهم ونفوسهم من نير الجهالات والشهوات. كان ذلك حال المسلمين طالما تمسكوا بشريعتهم، فلما تركوها وأهملوا أحكامها تركهم الرقي، وأخطأهم التقدم، ورجعوا القهقرى إلى الظلمات التي كانوا فيها يعمهون من قبل، فعادوا مستضعفين مستعبدين لا يستطيعون دفع معتد ولا الامتناع من ظالم.

ولعمري إن الجهود الكبيرة لخدمة الإسلام وبناء الأمة لا يستطيع أن ينهض بها على أكمل الوجوه غير علماء الملة، فإنهم المسؤولون عن ترشيد السير، وعن النصيحة لكل مسلم، وهم غرس الله الذين لا يزال يغرسهم في دينه، وهم الذين عناهم الإمام علي كرم الله وجهه بقوله: (لن تخلو الأرض من قائم لله بحجته) .

المبحث الثاني عشر

شرعُ اللهِ واحدٌ لا اختلاف فيه ولا افتراق [3]

إن الله تعالى شرع لجميع الرسل دينا واحدا ونهى عن التفرق والاختلاف.

قال تعالى: { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: من الآية13] .

وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنهُمْ فِي شَيْءٍ } [الأنعام: 159] .

قال الإمام ابن كثير في تفسيره [4] : والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله تعالى وكان مخالفا له، فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحدٌ لا اختلاف فيه ولا افتراق.

فمن اختلفَ فيه وكانوا شيعا أي فرقا كأهل الملل والنِّحل والأهواء والضلالات، فإنَّ الله تعالى قد برّأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما هم فيه. انتهى.

وعليه، فإن الافتراقَ في الدين سببهُ اتباعُ الهوى وسلوكُ الطريق المخالف لما شرع الله.

ولذا، فإن الفِرَقَ كلَّها على ضلالٍ وباطلٍ، إلا الفرقة الناجية التي تمسكت بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فعَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِى مَا أَتَى عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ حَتَّى إِنْ كَانَ مِنهُمْ مَن أَتَى أُمَّهُ عَلاَنِيَةً لَكَانَ فِى أُمَّتِى مَن يَصْنَعُ ذَلِكَ وَإِنَّ بَنِى إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِى عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِى النَّارِ إِلاَّ مِلَّةً وَاحِدَةً قَالُوا وَمَن هِىَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِى » أخرجه الترمذي [5] .

أمَّا المذاهبُ: فخيرُ تعريفٍ لها: ما جاء في كتاب"الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة"حيث يقول [6] :"المذاهب الفقهية هي مذاهب اجتهادية في مسائل الشريعة الفرعية، وهي جميعا لا تختلف حول أصول الشريعة، ولو في جزئية واحدة، والأصل أنه لا مذهبية، ولكن الضروة دعت إلى تتبع اجتهاد فقهاء المذاهب الفقهية من أجل التمكن من حل المشكلات العملية بيسر وسهولة".

وحول نشأة المذاهب المذكورة جاء في الكتاب المذكور:

"وقد نشأت هذه المذاهب كمدارس فقهية لتلبية حاجة المسلمين الماسة إلى معرفة أحكام دينهم، وإنزال هذه الأحكام على الوقائع الجديدة، وهذه الحاجة إلى الفقه قائمة في كل زمان لتنظيم علاقات الناس الاجتماعية من خلال معرفة حقوق كل إنسان وواجباته، وتبيان المصالح المتجددة ودرء المفاسد المتأصلة والطارئة."

وهي مذاهب اجتهادية أعوزت إليها الوقائع اللامتناهية، والتي لا يمكن أن تضبطها النصوص المتناهية، فقامت لإيجاد حل شرعي. انتهى.

وحول أسباب اختلاف العلماء أصحاب المذاهب يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه"رفع الملام عن الأئمة الأعلام": وبعد، فيجب عل المسلمين بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين، كما نطق به القرآن الكريم، وخصوصا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولا عاما يتعمد مخالفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شيء من سنته في دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلا بد من عذر في قوله. انتهى.

ثم بين رحمه الله أن الأئمة الفقهاء مجتهدون مخلصون لا مبتدعون، والمجتهد إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد [7] .

والمذهب الصحيح هو المنسوب لإمام عُرف بتقوى الله تعالى، وورعه واتباعه لسنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - .

المبحث الثالث عشر

الاختلافُ رحمةٌ في المسائل التي يمكنُ فيها الاجتهاد [8]

إن عبارة (الاختلاف بين العلماء رحمة) ترد كثيرًا في كلام أهل العلم، وقد حملها بعض أهل العلم على الاختلاف في المسائل التي يمكنُ فيها الاجتهاد، لعدم ورود نص فيها أو غموض في الأدلة الواردة فيها، وبالتالي تحصلُ توسعةٌ على المقلِّدين في اتباع أحد طرفي الخلاف الواقع بين أهل العلم.

(1) - إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 427)

(2) - مجلة مجمع الفقه الإسلامي - (ج 2 / ص 21775) فما بعدها

(3) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 6 / ص 49) رقم الفتوى 40050 شرع الله واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق تاريخ الفتوى: 17 رمضان 1424

(4) - تفسير ابن كثير - (ج 3 / ص 377)

(5) - سنن الترمذى برقم (2853 ) و السلسلة الصحيحة برقم (204) وهو صحيح لغيره

(6) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 6 / ص 49)

(7) - محبة الرسول بين الاتباع والابتداع - (ج 1 / ص 123) ومجموع الفتاوى - (ج 20 / ص 232)

(8) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 6 / ص 161) رقم الفتوى 40173 الاختلاف رحمة في المسائل التي يمكن فيها الاجتهاد تاريخ الفتوى: 22 رمضان 1424

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت