فهرس الكتاب
وقد تولى الخلافةَ بعد هؤلاء الشيوخ الثلاثة أمير المؤمنين عليّ فأمضى عملهم،وأقر مصحف عثمان برسمه وتلاوته،وفي جميع أمصار ولايته،وبذلك انعقد إجماعُ المسلمين في الصدر الأول على أن ما قام به أبو بكر وعمر وعثمان هو من أعظم حسناتهم.
وقد حاول بعض الناس أن يلوموا عثمان ـ رضي الله عنه ـ على أمره بإحراق المصاحف الأخرى،فقال لهم علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه:"لو لم يصنعه عثمانُ لصنعتُه أنا!".
ومما لا ريب فيه أن البغاة على عثمان أنفسَهم،وهم الذين أثاروا حوله هذه الفرية،كانوا في خلافة علي يقرأون مصاحف عثمان التي أجمع عليها الصحابة وعليٌّ منهم.
إن من الفقه بالإسلام أن تُفهَم روحُه جيدا عند النظر في نصوصه،وقد كان الخليفة الفقيه عثمان ابن عفان يراعي ذلك،فقد قصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة في منى عام حجة الوداع،واستمر العمل على ذلك،حتى قصر عثمان نفسُه في خلافته عدة مرات..
وفي السنة السادسة من خلافته سمع أمير المؤمنين عثمان أن الناس افتتنوا بالقَصْرِ،وقصروا الصلاةَ في منازلهم دون أن يكون مرخصا لهم القصرُ،فرأى أن السُّنة ربما أدت إلى إسقاط الفريضة،فصلى بمنى وأتمَّ صلاتَه..
ومع أن بعض الصحابة أنكروا عليه تركَ القصرِ برفقٍ وأدبٍ،وأتمُّوا الصلاة مثله،خوفا على الأمة من اختلاف الكلمة إلا أن المتآمرين والثائرين أخذوا يروِّجون بين الناس أن عثمان ابتدع في الدين،وترك ما كان يفعله الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وصاحباه.
في السنة الثالثة والعشرين للهجرة أصاب خنجرُ أبي لؤلؤة النصرانيِّ المجوسيِّ الأصلِ أميرَ المؤمنين العادلَ عمرَ بن الخطاب في مقتل،فأصيب المسلمون من ذلك بحالة من الذهول؛ إذ رأوا أميرَهم الصالحَ الذي فتح الله الدنيا على يديه يُقتَل بهذه الصورة الحاقدة،وطاش عقلُ عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ حين رأى الدم ينزف من جسد والده،فأمسك نفسه حتى نَفَذَ أمرُ الله في أبيه،ثم ثارت ثائرتُه فحمل سيفه،وراح يقتل كلَّ مَنْ ظن أنه متواطئ مع أبي لؤلؤة في جريمته،فقتل الهرمزانَ،وجُفينة النصراني،وابنة أبي لؤلؤة المجوسي،وهدد وتوعد بأنه سيقتل كلَّ من شارك في هذه الجريمة،مما سبب حالة فوضى بالمدينة..
عندها قام إليه سعد بن أبي وقاص،ونزع السيف من يده،وحبسه في داره،حتى ينظر الخليفة الجديد في شأنه،إذ ليس لأحد حقٌّ في إقامة الحدود ومعاقبة المشتركين في الجريمة إلا الإمام ونائبه.
فلما وَلِي عثمان ـ رضي الله عنه ـ استشار الصحابةَ في هذه القضية الشائكة،فاختلفت آراؤهم فيها،لكن لم يعطل حَدَّ الله،ودفع عبيدَ اللهِ إلى ابن الهرمزان ليقتله بأبيه،فمكَّنه منه على مَسْمَعٍ ومرأى من جموع الصحابة،وكفلوا له حرية اتخاذ القرار،وضمنوا له تنفيذه،لكن ابنَ الهرمزانِ ـ صاحبَ الحقِّ