فهرس الكتاب
وقلَّ أنصارُ ابنِ حُنيف،وغضب عليه الغوغاء لسوء تصرفه،ووقع من عامة الناس من أهل البصرة كلام وضرب،فقُتل منهم نحوٌ من أربعين رجلًا،ودخل العامَّةُ على عثمان بن حنيف قصرَه فأخرجوه إلى طلحة والزبير ولم يبق في وجهه شعرةٌ إلا نتفوها تحقيرًا له،فاستعظما ذلك وأرسلا إلى عائشة أم المؤمنين بالذي كان،واستطلعا رأيَها،فأرسلت إليهما أنْ خَلُّوا سبيلَه؛ فليذهبْ حيث شاء،ولا تَحبِسُوه.
وبخروج عثمان بن حنيف من البصرة أصبحت تحت إِمْرَةِ الرَّكْبِ المكِّيِّ،فأخرجوا حرس عثمان من القصر ودخلوه،وصلى بالناس عبد الرحمن بن عتاب،وولَّوْا على بيت المال عبد الرحمن بن أبي بكر،وقسم طلحةُ والزبيرُ أموالَ بيت المال في الناس،وفضَّلوا أهل الطاعة،وأَكَبَّ عليهم الناسُ يأخذون أرزاقهم. وحان وقت الثأر ممن شارك في الثورة على عثمان من أهل البصرة،فنقمت لأجل ذلك القبائلُ التي قُتل أبناؤها.
11-معركة الجمل واسبابها
لما بلغ عليّا نبأُ سير الركب المكّي إلى البصرة غيَّر وجهتَه عن الشام إلى البصرة،فخرج إلى الرَّبَذَةِ مسرعا يريد أن يلحقَ بهم قبل أن يجتازوها،وليَحُولَ دون انطلاقِهم،واستخلفَ على المدينة سهلَ بنَ حُنَيْفٍ،وبَعَثَ قثمَ بن العباس إلى مكة.
ونصحه العديدُ من الصحابة بألا يخرجَ من المدينة،فإنه إنْ خرج منها فلنْ يعود إليها أبدًا،وطلبوا منه أن يُرسل مَنْ نَهَضَ ويمكثَ هو في دار الهجرة،ولكنه أصر على أن يكون على رأس الناهضين،وخرج من المدينة في نحو سبعمائة رجل جُلُّهم من الثائرين على عثمانَ،وأقلهم من أهل المدينة،وما شارك جمهورُ الصحابة في هذه الفتنة،بل اعتزلوا الأمر.
وصل عليٌّ إلى الرَّبَذَةِ فجاءه الخبر بأن الركْبَ قد مضى،فأقام بها أياما وخَطَبَ فيمن معه،وسرَّح منها إلى أبي موسى الرسلَ يستنهض أهلَ الكوفة،ولكن ذلك لم يُفِدْ شيئا،حتى أرسل ابنَه الحسنَ وعمارَ بنَ ياسر إلى الكوفة،وتكلم الحسنُ كلاما طيبًا تأثَّروا به،وأعلن العديدُ منهم الانضمامَ إلى علي.
وواصل علي طريقَه إلى البصرة فوجد عبدَ القيس بأسرها في الطريق بينه وبين أهل البصرة ينتظرون مرورَه بهم ـ وهم آلاف ـ لينضمّوا إليه. وأرسل القَعْقَاعُ بن عمرو إلى طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة مستوضحا الأمر،وطالبا الصلح بين المسلمين.
اختار أميرُ المؤمنين عليّ بن أبي طالب القعقاعَ بن عمرو ليدْعُوَ أخويْه طلحة والزبير إلى الأُلْفة والجماعة،ويُعَظِّم عليهما الفُرقةَ،فلم يكن أمير المؤمنين عليّ يبغي حربا،وقد صرح بذلك مرارًا لأتْباعه بالرَّبَذَةِ،ولمَنْ جاءوا إليه من أهل الكوفة،وكانت هذه دعوته دائما.