الصفحة 228 من 604

وأوضح الزبيرُ للناس أنهم ما خرجوا إلا ثأْرًا للخليفة المظلوم،وإبقاءً لتماسك الكيان المسلم حتى تبقى هيبة الدولة محفوظة. وخطبت كذلك أم المؤمنين عائشة تؤكِّد هذه الأهداف.

وواصلوا السيرَ حتى اقتربوا من البصرة،فخرج إليهم واليها عثمانُ بنُ حُنَيْفٍ للحوار والمناقشة،لكنها كانت فرصة أمام الذين اعترضوا وتآمروا على عثمان لإثارة الفتن من جديد،مخافة أن تجتمع الكلمة،وتصل إليهم يدُ العدالة والقصاص،فترامَوْا بالتراب والحصى،حتى أَنْشَبَ لص البصرة حُكَيْمُ بن جَبَلَةَ القتالَ ضد الجيش القادم من مكة،وجرى قتال وتفاوضٌ أسفرا عن دخول الجيش المكي البصرة.

لما الْتقى الفريقان من مكة والبصرة بالمِرْبَدِ،وأخذ طلحة والزبير وأم المؤمنين يُفَصِّلون قضيَّتَهم للناس،تبيّنَ لأهل البصرة أن الحق في جانب أم المؤمنين،واتَّبعها جماعةٌ منهم.

فلما رأى حُكَيْمُ بنُ جَبَلَةَ ومَنْ معه من السبئيّة والغوغاء ذلك،ترامَوْا بالحجارة وحث بعضهم التراب على بعض،وأقبل حُكَيْمُ ـ وكان على خيلِ عثمانَ بن حُنيف ـ فأنْشَبَ القتالَ،وأعدَّ أصحابُ عائشة ـ رضي الله عنها ـ رماحَهم وأمسكوا عن القتال حتى يمتنع حُكَيْمُ عن القتال،لكنه أصر عليه حتى حجز الليل بين الفريقين.

فلما كان الصباح خرج حُكَيْمُ يَقْدُمُ جيشَه،فاقتتلوا قتالا شديدا من حين بزغت الشمس إلى أن زال النهار،وقد كَثُرَ القتْلى في أصحاب ابنِ حُنيف،وفَشَت الجراحة بين الفريقين،ومنادِي عائشة ـ رضي الله عنها ـ يناشدهم ويدعوهم إلى الكَفِّ فَيَأْبَوْنَ،حتى إذا مسَّهم الضُّر وعضَّتْهم الحربُ نادَوْا أصحابَ عائشة إلى الصلح والموادعة.

واتفق الفريقان على أن يبعثا رسولًا إلى المدينة لينظر هل بايع طلحةُ والزبيرُ مُكْرَهَيْنِ؟ فإن كان ذلك أخْلى عثمانُ بن حُنيف لهما البصرةَ،ليُدْرِكوا ثأْرَهم من قَتَلَةِ عثمانَ،وإن كانا قد بايعا عن رضا خَرَجَا من البصرة حتى يرى أميرُ المؤمنين رأيَه.

واتفقوا على أن يُبْقِيَ كلُّ فريقٍ على ما تحت يدِه حتى يعودَ الرسول،وأن ينزل طلحة والزبير ومَنْ معهما حيث شاءوا،وأن يصلي عثمان بن حنيف بالناس،وله أمر البصرة،ويبقى بيت المال تحت يده.

وذهب كعب بن ثور إلى المدينة رسولًا،فسأل أهلَها عن بيعة طلحة والزبير فلم يُجِبْهُ أحدٌ،ثم أجابه أسامةُ بن زيد بأنهما بايَعَا مُكْرَهَيْن،وكادت تحدث في المدينة حادثة لهذا الجواب؛ إذْ لا يريد الناس إلا إطفاء النار وإخمادَ جذوتها. وبلغ هذا الخبرُ أميرَ المؤمنين،فأرسل إلى عثمانَ بنِ حُنيف يقول له:"والله ما أُكْرِها إلا كَرْهًا على فُرقة ( أي خوفا من الفرقة ) ،ولقد أُكرِها على جماعة وفضل،فإن كانا يريدان الخَلْعَ فلا عذر لهما،وإن كانا يريدان غيرَ ذلك نَظَرْنَا ونَظَرَا".

رجع كعب بن ثور إلى البصرة بخبر بيْعة الزبير وطلحة لعليٍّ كَرْهًا،فاختلف القوم بالبصرة،وعاتب عليٌّ عاملَه على البصرة،وقال:"إنما طلحة والزبير لم يُجْبَرَا على البيعة إلا خوفًا من الفُرقة،ولقد أُكرِها على جماعةٍ وفضلٍ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت