فهرس الكتاب
وجاء إليه ابنُه الحسنُ ينصح بعدم الإقدام على القتال صونا لدماء المسلمين،فقال:"يا أبة،دَعْ هذا،فإن فيه سفك دماء المسلمين،ووقوع الاختلاف بينهم"،فلم يقبل منه ذلك،وأصرَّ على القتال،ورتَّبَ الجيشَ،ودفع اللواء إلى ابنه محمد بن الحنفيَّة،وولَّى عبدَ الله بن عباس ميمنتَه،وعمرَ بن أبي سلمة ميسرته،وجعل على مقدمته أبا ليلى بنَ عمرو بنِ الجراح ابنَ أخي أبي عبيدةَ،واستخلف على المدينة قثم بن العباس.
ولم يُوَلِّ أحدًا ممن خرج على عثمانَ،لا على الأمصار ولا على أجناد الجيش،وفيهم الأشِدّاء وذَوُو البأس.
ولم يبق شيء إلا أن يخرج من المدينة قاصدا الشام،حتى جاءه ما شغله عن ذلك كله،وهو خبر خروج عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة،فقرر أن يخرج أولا إلى العراق للقائهم.
قد يختَلِف اثنان في وجهات النظر،لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجودَ بغضاء أو كراهية بينهما،وقد يذهبان أبعدَ من ذلك فيتصرّفان بناء على وجهات النظر المختلفة،وهذا أيضا ينبغي ألا يُورث حقدًا أو كراهيةً بين الطرفين..
وقد كان قَتْلُ عثمان ـ رضي الله عنه ـ فاجعةً،زاد من ألمها أنها وقعت في أيام الحج،حين كان أزواج النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يؤدِّين الفريضة قُربَى إلى الله،وفرارا من الفتنة،فلما بلغ الناسَ ـ وفيهم أمهات المؤمنين ـ أن عثمان قُتِلَ،أقاموا بمكة،واستأذن طلحة والزبير عليا في العمرة،فأذِنَ لهما،فخرجا إلى مكة،وتبعهم خلق كثير وجَمٌّ غفيرٌ من بني أمية وكل من أغضبه قَتْلُ عثمان،وتساقَطَ الهُرَّابُ إليها.
وقَدِمَ إلى مكة من اليمن يَعْلَى بنُ أمية،وكان عاملا عليها لعثمان،وقدم إليها أيضا عبد الله بن عامر من البصرة.
والتقت الكلمةُ على الثأْر لعثمان،وكَوَّنوا منهم جيشًا لهذه المُهمة،وقصدوا البصرةَ أقربَ الأمصارِ التي تَولَّى بعضُ أهلِها قَتْلَ عثمان والخروجَ عليه،ولم يتجهوا إلى المدينة لعُلُوِّ أمرِ الغَوْغَاءِ ومثيري الفتن فيها،وإن كان الأمر يستدعي مؤازرة أمير المؤمنين عليٍّ حتى تَقْوَى الدولة على مواجهة كلِّ الخارجين البُغاة.. وتحرك الركبُ المكيُّ خارجا إلى البصرة.
اتفق المتجهون إلى البصرة على تَوْلِيَةِ عبد الرحمن بن عَتَّاب بن أسيد الصلاة،فكان يصلي بهم في الطريق وفي البصرة حتى قُتل،وكان عدلا بينهم. ورجع من الطريق المغيرةُ بن شعبة وسعيد بن العاص وعبد الله بن خالد بن أسيد.
ومضى القوم قاصدين البصرة،ومعهم أَبانُ والوليدُ ابنا عثمانَ،وأعطَى يَعْلَى بن منية أمَّ المؤمنين عائشة جملًا اسمه (عسكر) اشتراه بثمانين دينارا فركِبَتْه،وساروا في طريق غيرِ معهود؛ كي لا يلتقوا بجيش علي،حتى انتهوا إلى جبل أوطاس،فتيامنوا وسلكوا الطريق نحو البصرة.