فهرس الكتاب
علي: ممن؟ قال: من نفسِك،وتركتُ ستين ألفَ شيْخٍ يبكي تحت قميص عثمان وهو منصوبٌ لهم؛ قد ألبسوه مِنْبَرَ دمشقَ! فقال علي: منِّي يطلبون دَمَ عثمان؟!.. اللهم إني أَبْرَأُ إليك من دَمِ عثمان،نَجَا والله قَتَلَةُ عثمانَ إلا أنْ يشاء الله..!!
فخرج الرسول فاعترضه السبئيّة (أتباع عبد الله بن سبأ) مُثِيرُو الفتنةِ يَصيحون: هذا الكلبُ،هذا وافدُ الكلابِ،اقتلوه،فنادى الرجل:"يا آلَ مُضَرَ،فحَمَتْه مُضَرُ،وجعل يقول لهم: إني أحلف بالله ـ جلَّ اسمُه ـ ليَرِدَنَّها عليكم أربعةُ آلاف خصِيٍّ،فانظروا كم الفُحولة والرِّكاب"! والمُضَرِيُّونَ يُسكِتونه فلا يسكت. وجعل يَهتف بهم: لا والله لا يفلح هؤلاء أبدا،فلقد أتاهم ما يُوعدون،وقد حل بهم ما يَحْذَرونَ.. فمازال بهم حتى عرف الذل فيهم.
دارت مراسلاتٌ عديدة بين عليٍّ ومعاوية يطلب الأول من الآخر مبايعتَه بالخلافة،والإذعانَ لأوامره،باعتباره الخليفةَ الشرعيَّ الذي بايعه معظمُ الصحابة في المدينة،في حين يطلب الثاني من الأول القصاصَ من قَتَلَةِ عثمانَ ابنِ عمِّه أولًا باعتباره من أولياء دَمِهِ،وبعد ذلك ينظر في أمر بيعته.
ولم يكن موقفُ عليٍّ من القصاص موقفَ المُعَطِّلِ له،ولكنه كان يودُّ إرْجاءَ إقامةِ حدِّ الله الذي سيُقام حتما ـ حتى تتهيَّأ الظروفُ المناسبة،وتخمدَ نارُ الفتنةِ. ولكن معاوية تمسك بالقصاص أولا،وجعله شرطا لازمًا يسبق البيعة؛ لذا امتنع عن مبايعة عليٍّ،وأبَى خلافتَه؛ لأنه ظن فيه عدم الجدِّية في الانتصار لعثمان من قاتِليه،ومعاوية يرى لنفسه حقًا أصيلًا في القصاص من قَتَلَةِ عثمان؛ لأنه من أوليائه،والله ـ تعالى ـ يقول: ( ومَنْ قُتِلَ مظلومًا فقدْ جَعلْنا لِوَلِيِّهِ سُلطانًا فَلا يُسْرِفْ في القتْلِ إنَّه كانَ منصورًا ) [ الإسراء: 33 ] . ولم يَرَ في الامتناع عن البيعة خروجًا على الإمام؛ لأنه اعتقد أن بيعة عليٍّ لم تنعقدْ بعدُ؛ حيث لم تكن بإجماع أهل الحَلِّ والعَقْدِ.
أما أمير المؤمنين عليٌّ فهداه اجتهادُه إلى غير ذلك،إذْ رأى أن بيعته قد انعقدت،وأن الوالي ليس عليه إلا أن يُبايع هو وأهلُ مِصْرِهِ إذا بايع أهلُ المدينة،وقد بايعوا،فلماذا إذًا امتناعُه؟ وهل هو من أهل الشورى ليُؤْخَذَ رأيُه في البيعة؟
وقد عزله الخليفةُ المُبَايَعُ فلم يمتثل؛ فعُدَّ خارجًا على الإمام؛ لذا أخذ عليٌّ يُعِدُّ لقتال أهل الشام.
لما أرسل عليٌّ الولاةَ إلى الأمصار،إذا بواليه سهلِ بنِ حُنيف الذي أرسله إلى الشام ليخلف معاوية ـ يعود إليه وقد فشل في تَوَلِّي الأمر،وعليٌّ الذي عُرف بالشدة والحسم أبَى إلا الحق ـ كما رآه ـ فقرر قتالَ معاوية؛ وعَدَّ خلافَه بَغْيًا وخروجا عن الطاعة بعدما انعقدت بيعته بِمَنْ بايَعَ،فلزمت مَنْ لم يبايعْ.
وأرسل عليّ إلى أهل الأمصار يستنفِرُهم لقتال معاوية،وشرع في التهيُّؤ والتجهّز،وخطب في أهل المدينة ودعاهم إلى النهوض لقتال"أهل الفُرقة"،ولكنه رأى تثاقلا منهم عن الخروج معه،فلم يجبر أحدًا،وإنما سار بِمَنْ نَهَضَ معه.