الصفحة 225 من 604

وسيطرت الفوضَى على البصرة،وانْفَرَطَ عِقْدُ النظام بها،وهاج الناس وماجُوا بها،ولم يُفِد الأخذُ بالثأر بهذه الطريقة؛ لأنه لم يَقُمْ به الوالي الشرعيُّ نفسُه،بل قامت به طائفة صالحة من أبناء المجتمع،لا ترى بقيةُ المجتمع حقًا لها في أنْ تقوم به منفردةً عن السلطان.

وقد دفع الحالُ الزبيرَ إلى أن يقول:"إن هذه الفتنةُ التي كنا نتحدث عنها،فقال له خادمه: أتسمِّيها فتنةً وتقاتل فيها؟!! قال: ويْحك!! إنَّا نُبْصِرُ ولا نُبْصِرُ،ما كان أمرٌ قطٌّ إلا علمتُ موضعَ قدمي فيه،غيرَ هذا الأمر،فإني لا أدري أَمُقْبِلٌ أنا فيه أم مُدْبِرٌ!!"

كان عزل عليٍّ لعمَّال عثمانَ على البلاد والأمصار شرارةً أشعلت نيران فتن جديدة،وأجَّجَتْها في أرجاء الدولة الإسلامية،حتى لم يعد النزاع بين أهل الفتنة وبين جمهور المسلمين،بل اشتبك أبناء المجتمع الواحد بعضه ببعض،وكان هذا في البداية خلافا في الرأي،ثم تدخلت شياطين الإنس حتى وقع الاقتتال..

لقد عزل عليٌّ عمَّالَ عثمان على الولايات الكبرى؛ مصر والشام والكوفة والبصرة،وقد دفعه إلى اتخاذ هذا القرار افتقادُ الثقة بينه وبين هؤلاء العُمال بفعل الدعاوى السبئيّة،ورغبته في تهدئة الثورة،فوجد أن من اللازم عزل هؤلاء،وإرسال عمال جدد على الأمصار يثق بهم.

وقد نصحه بعض الصحابة بعدم التسرع باتخاذ هذا القرار؛ إذْ سيضيف إلى رصيده مزيدًا من الأعداء في وقت يحتاج فيه إلى كل نصير.

وفي مطلع العام الجديد ـ السادس والثلاثين من الهجرة ـ أرسل عليٌّ وُلاته الجدد،فنجح بعضُهم وأخفق بعضُهم الآخر في تولي ولاياتهم. وحاول عليٌّ علاج الأمر؛ فكتب إلى أبي موسى الأشعري أمير الكوفة وإلى معاوية بالشام كتابَيْن يتعلقان بأمر البَيْعَةِ له،وقد بادر أبو موسى بأخْذِ البيعة له من أهل الكوفة،فأقره عليٌ عليها،لكن معاوية تأخر عن الجواب،ينتظر ما تؤول إليه الأمورُ،خاصة أمر العُصاة بالمدينة. وهكذا خضعت دارُ الهجرة مركزُ الدولة،والأمصارُ كلُّها لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب باستثناء الشام التي كان يُسَيِّرُ أمورَها معاوية الذي امتنع عن البَيْعة.

وأدرك عليٌّ أنَّ حَمْلَ معاوية على البيْعَةِ سِلْمًا غيرُ ممكن،فأخذ يُعِدُّ العُدَّةَ لحمله على البيعة جبرًا باعتباره خارجًا على طاعة الخليفة،وبينما هو يستعد لذلك،جاءتْه أخبارٌ أخرى مفزِعة من مكة تخبره بمَسِير أمِّ المؤمنين عائشةَ وجماعتِها إلى البصرة.رجع عامل عليّ من الشام دون أن يتمكن من تولِّي الأمر،فكتب عليٌّ إلى معاوية يطالبه بالبيعة،فطلب معاوية مُهْلَةً من الرسول،ولم يكتب جواب رسالته،حتى إذا كان الشهر الثالث من مقتل عثمان،أي: في صفر سنة ست وثلاثين،دعا معاوية رجلًا من بني عبس فدفع إليه كتابا مختوما عنوانه:"من معاوية إلى عليٍّ"،ثم أوصاه بما يقول،وسرحه إلى عليّ مع رسوله،فلما دخل المدينة ورفع الكتاب للناس فرأوا عنوانه عَلِمُوا أن معاوية يأبَى البيعةَ،وقال رسوله لعلي:"إني تركتُ قوما لا يرضَوْنَ إلا بالْقَوَدِ،فقال"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت