فهرس الكتاب
المنحرفين،وبدأ في اتخاذ ما يطمئنهم إلى جدّيته في التصدي للقتلة وإضعاف شوكتِهم؛ بإرجاع العبيد إلى مواليهم،والأعراب إلى أماكنهم،لكن الثائرين والأعراب ثاروا واعترضوا وامتنعوا عن ذلك،فأدرك كبارُ الصحابة خطورةَ الموقف وقوةَ بأْسِ السبئيّة في المدينة،وفكروا في حلول جديدة للقضاء عليهم،فاقترح طلحة على عليٍّ أن يوليه البصرة،واقترح الزبير أن يوليه الكوفة ليَقْدموا عليه بالخيل والجُنْدِ الكثيف ليُعيد الأمورَ إلى نصابِها،ولكنه استمْهَلَهُمَا حتى يرى رأيَه في شأن ولاةِ عهدِ عثمان ـ رضي الله عنه ـ والذي انتهى فيه إلى قرارٍ بعزلهم وتولية غيرهم.
أصبح طلحةُ والزبيرُ بعد دخول البصرة وفي أيديهما بيت المال والحرس،والناس معهما،ومن لم يكن معهما فَمَغْمورٌ مُسْتَسِرّ،وبلغ ذلك حُكَيْمَ بنَ جَبَلَةَ،فأقبل في خيْله على رجال فيمن تبعه مِن عبد القيس ومَنْ مال إليهم من ربيعة،ثم توجّهوا نحو دار الرّزق وهو يقول: لستُ بأخيه إن لم أنصرْه (يقصد عثمان بن حنيف) ،وجعل يشتم أم المؤمنين عائشة،فسمعتْه امرأةٌ من قومه،فقالت: يا ابنَ الخبيثة،أنت أوْلى بذلك،فطَعنها فقَتَلَها،فغضبتْ عليه عبدُ القيس،ورجعوا وتركوه..
ومضى حُكَيْمُ بن جَبَلَةَ فيمن غزا معه عثمانَ بنَ عفانَ وحاصره من نزَّاع القبائل كلها،وعرفوا أن لا مقام لهم بالبصرة،فاجتمعوا إليه،فانتهى بهم إلى الزَّابوقة عند دار الرزق،وقالت عائشة ـ رضي الله عنها:"لا تقتلوا إلا مَنْ قاتلكم،ونادُوا مَنْ لم يكن من قَتَلَةِ عثمان،فلْيَكْفُفْ عنا،فإنا لا نريد إلا قَتَلَةَ عثمان،ولا نبدأ أحدا".
فأنشَبَ حُكَيْمٌ القتالَ،ولم يهتم بالمنادِي،فقال طلحةُ والزبير:"الحمد لله الذي جمع لنا ثأرَنا من أهل البصرة،اللهمَّ لا تُبْقِ منهم أحدًا،وأَقِدْ منهم اليوم فاقتلهم".
فاقْتتلوا أشدَّ قتال،وقُتِلَ حُكَيْمُ ومَنْ معه،ولم يَنْجُ من الظالمين إلا حُرْقُوصُ بن زُهير في نفرٍ مِن أصحابه،فلجأوا إلى قومهم،ونادَى منادِي الزبير وطلحة بالبصرة: ألا مَنْ كان فيهم من قبائلكم أحدٌ ممن غَزَا المدينةَ فلْيَأْتِنَا بهم،فجيء بهم كما يُجاء بالكلاب فقُتلوا،فما أفلت منهم من أهل البصرة جميعا إلا حُرْقُوص بن زهير،فإنَّ بني سعد قبيلتَه منعوه،فمَسَّهُم في ذلك أمرٌ شديدٌ،حتى اعتزلوا.
وأقام طلحة والزبير ليس معهما بالبصرة ثأر إلا حُرْقُوص،وكتبوا إلى بقية الأمصار أن يفعلوا فعلتَهم،وأن يقتلوا مَنْ عندَهم من قَتَلَةِ عثمان. وقد ترك هذا الثأرُ نقمةً في قلوب القبائل التي قُتل أبناؤها.
وكانت هذه الوقعة لخمس ليالٍ بَقِين من ربيع الآخر سنة ست وثلاثين من الهجرة.
لم يكن الميراث الجاهلي قد انْمَحَى من نفوس القبائل التي دَخلت في الإسلام متأخرةً،لذا علا صوتُ النِّقْمة لديْها على جيش طلحة والزبير حينما قُتل أبناؤهم الذين شاركوا في الخروج على عثمان وحصاره وقَتْلِه..