الصفحة 223 من 604

ولما عَظُمَتْ الفتنةُ وكان القتال بين عليّ وبين أصحاب الجمل،وبينه وبين أهل الشام تخلف عن الحرب كثيرٌ من المهاجرين والأنصار،وجمهورٌ من الصحابة لَزِمُوا بيوتهم.

كان أبو بكر الصدّيق يسوي بين الناس في تقسيم المال؛ الحر والعبد والذكر والأنثى والصغير والكبير،فلما كلَّمه الناس ليفضِّل أصحابَ بدر،قال لهم: فضائلُهم عند الله،وأما هذا المعاش فالسويّة فيه خير من الأَثَرَةِ. فعمل بهذا طوال ولايته.

ولما ولي عمر فضَّل المهاجرين والأنصارَ في تدوين الدواوين وتقسيم العطاء. وسار عثمان من بعده على هذا النهج..

أما عليّ فقد أعاد في خلافته طريقةَ أبي بكر في تقسيم العطاء،فأعطى جميعَ الصحابة والمسلمين بالسويّة دون تفريقٍ بين مَنْ سَبَقَ إلى الإسلام،ومَنْ جاء متأخرا،وقسم ما في بيت المال على الناس،ولم يُفَضِّلْ أحدًا على أحد،وكان لا يدع في بيت المال شيئا يبيت به حتى يقسمه،وكان يكنس بيت المال بعد ذلك بيده،ثم يصلي فيه ركعاتٍ رجاءَ أن يشهد له يوم القيامة أنه لم يحبس فيه مالًا عن المسلمين.

لقد رأى ـ رضي الله عنه ـ أن التفاوتَ في العطاء من شأنه أن يَخلُق فرصًا لتراكم الثروات لدى بعض الأفراد،مما يشكل مع الزمن فتنةً في الدين وفسادا في الدنيا. وقد صار لكثيرٍ من الناس حدائق وممتلكات وتجارة عريضة وثروات وقصور جعلت منهم طبقة متميزة بثرائها ونفوذها عن سائر المسلمين.

ولم يزد عليّ فيما فعل على أن اتبع نَهْجَ أبي بكر،مما أغضب أشراف العرب لمساواتهم بالموالي في العطاء،فأثّر ذلك على علاقته بالناس. واعتبر بعضُ المؤرخين أن ذلك كان سببا في تفرق الناس من حوله،وانتهاج أهل العراق معه نهجًا جديدًا من الخذلان وترك النُّصرة.

كثير من الأعمال تحتاج في القيام بها إلى تَأَنٍّ وانتظارٍ للظرف المناسب،لذلك قد تختلف وجهاتُ النظر كثيرا بين أصحاب الطريقة الواحدة والمنهج الواحد بسبب مثل هذه المسائل،وهذا هو شأن الخلاف بين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وبين العديد من الصحابة،فقد كانوا يقولون بوجوب القصاص من قَتَلَةِ عثمان ويتعجلون تنفيذ ذلك،ولم يكن رأيُه مخالفا لرأيهم،غير أنه كان يرى التأنِّي والانتظارَ حتى تستقر الأمور،وتموت الفتنة في مواضعها،فقد كان أنصارُ البُغَاة قوةً لا يُستهان بها..

لم يكن علي ـ رضي الله عنه ـ أقلَّ من إخوانه الصحابة حرصا على إقامة الحد على القتلة،لكن هذه الخطوة كان يجب ـ فيما يرى هو ـ أن تَسبِقها خطوةٌ أخرى،هي تسكين الفتنة،حتى يستقر الحكم الجديد ويَشْتَدَّ عُودُه ويَقوَى على إقامة الحدود دون أن يتسبب ذلك في فتنة أكبرَ وأشدَّ هَوْلًا.

وإزاء موقفِه هذا من القصاص سَرَتْ في بعض النفوس مخاوفُ من مهادنة هؤلاء الثائرين السبئيّة فتموت القضية،كما هربت جماعات من بني أمية خشية أن ينالهم أذى من القتلة الآثمين،وحَالَ عليٌّ دون خروج قريش من المدينة،فَبِهِمْ يَتَقَوَّى على مَنْ خالَفَهُم،وبهجْرِهم المدينةَ يتركونها لسيطرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت