الصفحة 222 من 604

تمت بيعة عليّ بن أبي طالب في ظل ظروف صعبة،إذْ كان الصحابة عند مقتل عثمان متفرقين في الأمصار،فلم يشهدوا البيعةَ،والذين شهدوا؛ فمنهم مَنْ بايَعَ،ومنهم مَنْ توقف حتى يجتمع الناسُ ويتفقوا على إمام،كسعد بن أبي وقاصٍ وسعيدِ بن زيد وعبد الله بن عمر وأسامة بن زيد والمغيرة بن شعبة وعبد الله بن سلام وأبي سعيد الخدري وكعب بن مالك والنعمان بن بشير وحسان بن ثابت ومَسْلَمَة بن مُخَلَّد،وأمثالِهم من أكابر الصحابة..

والذين كانوا في الأمصار عَدَلُوا عن بيعته أيضا إلى الطلب بدم عثمان،وتركوا الأمر حتى يكون شورى بين الناس لمن يولُّونه،وظنوا بعليّ سكوتا عن نُصرة عثمان من قاتِلِيه..

ثم اختلفوا في مواقفِهم بعد ذلك؛ فرأى عليٌّ أن بيعتَه قد انعقدتْ ولَزِمتْ مَنْ تأخر عنها باجتماع مَن اجتمع عليها بالمدينةِ؛ دارِ النبيِّ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وموطنِ الصحابةِ،وأرْجَأَ الأمر في المطالبة بدم عثمانَ إلى اجتماع الكلمة واتفاقها،ليتمكن حينئذ من ذلك.

ورأى آخرون أن بيعته لم تنعقدْ؛ لافتراق الصحابة أهلِ الحَلِّ والعَقْدِ بالآفاق،فلم يحضر البيعة إلا قليل،وهي لا تكون إلا بعلم واتفاق أهلِ الحَلِّ والعَقْدِ،ولا تلزم بعقْدِ مَنْ تولاها من غيرهم،أو من القليل منهم.. وذهب إلى هذا معاوية وعمرو بن العاص وأمُّ المؤمنين عائشةُ والزبير وابنه عبد الله وطلحة وابنه محمد وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد والنعمان بن بشير..

إلا أن أهل العصر الثاني مِنْ بعدِهم اتفقوا على انعقاد بيعة عليّ ولزومها للمسلمين أجمعين وتصويبِ رأيِه.. مع دفْعِ التأثيم عن كلٍّ من الفريقين.

المناصب عند بعض الناس غنيمةٌ،وعند بعضهم الآخر حِمْلٌ ثقيل.. أما عند علي بن أبي طالب فقد كانت ـ في الظروف التي تولى فيها ـ أكثرَ من حِمْلٍ ثقيل،فالخليفة الشهيد عثمانُ لم تجف دماؤه بعدُ،والناس ـ وعلى رأسهم كثير من الصحابة ـ يَستعجلون قتل الْقَتَلَةِ.. والحزنُ يجتاح النفوسَ على عثمان اجْتِياحًا..

وقد سعى قَتَلَةُ عثمان في إتمام البيعة لعلي،ليُوقِعوا الخلافَ بين الصحابة،فنجحوا في ذلك،إذْ نَفِرَ جماعة من كبار الصحابة من البيعة لعليّ،لا غضًا من شأنه،ولكن تَخَوُّفًا من الدخول تحت سيطرة هذه العصابة دخولًا يتعذَّر الخروجُ منه. ومن هؤلاء الصحابة من المهاجرين والأنصار: عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقَّاص وصهيب بن سنان الرومي وزيد بن ثابت ومحمد بن مسلمة وسلمة بن سلامة بن وقْش وأسامة بن زيد وعبد الله بن سلام والمغيرة بن شعبة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك ومَسْلَمة بن مُخَلَّد وأبو سعيد الخدري والنعمان بن بشير ورافع بن خُدَيج وفُضالة بن عبيد،ناهيك عمن فَرَّ مِنْ بني أميَّة بعد سيطرة الثُّوار على المدينة وقَتْلِ عثمان،مثل مروان بن الحكم والوليد بن عقبة وسعيد بن العاص وآخرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت