فهرس الكتاب
لقد دخلوا عليه الدار جماعةً،وتمالأوا عليه؛ فمِنْهم مَنْ يضربه بنَصْل سيفِه،ومنهم مَنْ يلكزُه،وجاءه رجلٌ بمشاقِص (نصل عريض،أو سهم يُرمى به الوحش عند الصيد) ،فضربه في تَرْقُوَتِه،فسالَ الدَّمُ على المصحف،وهُمْ في ذلك يهابون قَتْلَه. وكان عثمان ـ رضي الله عنه ـ شيخا كبيرًا،فغُشِيَ عليه.
ودخل آخرون،فلما رأوه مَغْشِيًّا عليه جَرُّوا بِرِجْلِه،فصاحتْ زوجته نائلةُ،وبناتُه،وجاء كِنانةُ بنُ بِشْرٍ التُّجِيبِيُّ مخترطا سيفَه ليضعَه في بطنه،ففادتْه نائلةُ،فقطَع يدَها،واتَّكأ بالسيف على صدر الخليفة الشهيد.
وقيل: إن كِنانةَ بن بشر ضَرَبَ جبينَه ومُقَدَّمَ رأسِه بعمود حديد،فخَرَّ لجَنْبَيْهِ،فضربَه سُودانُ بنُ حُمرانَ بعدما خَرَّ لجَنْبِه فقتلَه. وأما عمرو بن الحَمِق فوَثَبَ على عثمانَ فجلسَ على صدره،وبه رَمَقٌ،فطعنَه تسعَ طعناتٍ.
11-الفتنة في عهد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه
بعد مقتل عثمان ـ رضي الله عنه ـ استقبل المسلمون أمرًا له وَجْهٌ وله ألوانٌ،لا تقوم له القلوب،ولا تثبت عليه العقول..
فما زالوا بعليٍّ ـ رضي الله عنه ـ يَعْرِضُون عليه الخلافةَ حتى قَبِلَهَا،فتمَّت البيعةُ في ظل ظروف صعبة وحرجة في تاريخ الأمة الوليدة.
وهكذا حمل الإمام عليٌّ الحِملَ الكبيرَ ـ منصبَ الخلافةِ ـ فجاءتْه الخلافةُ مُثْخَنَةً بالجِراح،مثقلةً بالمتاعب؛ إذْ واجه المشكلاتِ منذ ولِيَهَا،خاصة بسبب رأيه في قسمة العطاء،وتأجيل القِصاص من قَتَلَةِ الخليفة،وعزله عُمَّالَ عثمان.
كل هذا سبَّبَ له المتاعب والمشاقَّ الجسامَ،فتحمَّلها في جَلَدِ الصابرين،وتعامل معها بضميرٍ بلغ الكمال في استقامته وتقواه؛ فأتت الأحداث والأهوال عاصفةً،بدءًا بموقِعَةِ الجَمَلِ،ومرورًا بحرب صِفِّين،وظهور الخوارج،وتغيُّرِ أوضاعِ خلافتِه بعد النهروان،وعصيان أهل الكوفة له وانتهاءً بمقتله ـ رضي الله عنه.
كل هذه الأحداث كافيةٌ أنْ تقتلع الجبال،لكن الإمام عليًا أَبَى أن يَحيد عن الحق برغم الأهوال،أبَى أن يتبع الهوى؛ ولْتَبْذُلِ الدنيا له كلَّ زينتها وبهجتها وإغرائها،فإنه لن يربط بها أملا ولا رجاءً؛ فإن طول الأمل يُنسي الآخرة.
ولقد أحاطت به العواصف والأعاصير لكي تُزِيغَه في ظلامها عن الطريق،أو تُفْقِدَه بعضَ رشدِه،أو تَشْغَلَه عن غاياته ومبادئه.. فما زاغ عن الطريق.. ولا فَقَدَ الرُّشْدَ.. ولا سَئِمَ صحبةَ مبادئِه.. وحين أدركه الموت وجده عملاقًا يحمل رايتَه..!!