الصفحة 220 من 604

وأَمَرَ أهلَ المدينة بالرجوع،وأقسم عليهم،فرجعوا إلا الحسن بن علي،ومحمد بن طلحة،وعبد الله بن الزبير،وجماعة أمثالهم من أبناء الصحابة،فجلسوا بالباب عن أمر آبائهم،وعاد إليهم ناسٌ كثيرٌ،ولَزِمَ عثمانُ الدارَ.

أحس عثمان ـ رضي الله عنه ـ بقرب أجله،وتيقن مِن تَحَقُّقِ موعودِ رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ باستشهاده بين لحظة وأخرى،وهو يَرْقُبُ حضورَ هذا الأجلِ ولا يَرهَبُه؛ لذا أسرع ورمَى من فوق الدار بوصيته إلى أخيه الزبيرِ بن العوام،وكان مكتوبا فيها:

"هذه وصية عثمان: بسم الله الرحمن الرحيم،عثمانُ بنُ عفانَ يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،وأن محمدًا عبدُه ورسوله،وأن الجنة حق،وأن النَّارَ حقٌّ،وأنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ في القبور ليومٍ لا ريب فيه،إن الله لا يخلف الميعاد،عليْها يَحْيَا وعليْها يَموتُ وعليْها يُبْعَثُ إنْ شاء الله تعالى".

وجمع عثمانُ الناسَ لمَّا رأى تشديد المتآمرين الحصار عليه،وتيقن من دنُوِّ أجلِه،وعزم على المسلمين أنْ يَنصرفوا فلا يقاتلوا عنه،وعزم له المسلمون على الصبر والامتناع على البغاة بسلطان الله،فقال: اخرُجُوا ـ رَحِمَكُم اللهُ ـ فكُونوا بالباب..

وأرسلَ إلى طلحةَ والزبير وعليّ وعِدَّةِ رجال من الصحابة أن يقتربوا منه،فلما اجتمعوا أشْرَفَ عليهم مِن الدار،وقال:"يا أيها الناس،اجْلِسوا،فجَلَسوا جميعا؛ أهلُ المدينة والطارئون عليها.. فقال:"يا أهل المدينة،إني أستودعُكم اللهَ،وأسألُه أن يُحسِنَ عليكم الخلافةَ من بعدي،وإنِّي والله لا أَدخل على أحدٍ بعد يومي هذا حتى يَقضيَ اللهُ فِيَّ قضاءَه؛ ولأَدَعَنَّ هؤلاء وما وراء بابي غيرَ مُعطِيهم شيئًا يتخذونه عليكم دَخَلًا في دين الله أو دنيا حتى يكون اللهُ ـ عز وجل ـ الصانعَ في ذلك ما أَحَبَّ .."."

وأَمَرَ أهلَ المدينة بالرجوع،وأقسم عليهم،فرجعوا إلا الحسن بن علي،ومحمد بن طلحة،وعبد الله بن الزبير،وجماعة أمثالهم من أبناء الصحابة،فجلسوا بالباب عن أمر آبائهم،وعاد إليهم ناسٌ كثيرٌ،ولَزِمَ عثمانُ الدارَ.

بعضُ الناس مرضَى النفوس يَفتحون أبواب الفتن على الخَلْقِ،ويموتون وتبقى الفتنُ يَصْلَى عبادُ اللهِ لهيبَها المُحرِقَ؛ وقد نَجِدُ هؤلاء المرضَى يُطوِّحون بسيوف التخويف في وجوه المسالمين في المواقف الحرجة،ظانِّينَ أنَّ ما يفعلونه بطولةٌ لا نظير لها،مع أنهم بذلك يفتحون أبوابا من الجحيم على أنفسهم وعلى الخلق،ويبوءون بإثمهم وآثام الخلق،مَثَلُهم في ذلك كَمَثَلِ الأشْقَى الذي حَمَلَ على ناقة النبي الكريم صالح ـ عليه السلام ـ حتى قتلها،فأهلكه الله هو ومَنْ كفر معه.

وقد نال المكانة البارزة في دنيا الأشقياء هؤلاء الذين امتدَّتْ أيديهم إلى الخليفة الراشد عثمانَ بن عفان ـ رضي الله عنه ـ فقتلوه؛ إذْ أضاعوا على الأمة خيرا كثيرا كانت تَجْنِيهِ في ظلال الخلافة الراشدة،وأوقعوا الشر في صفوفها بسبب هذا الدم الحرام الذي سفكوه..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت