الصفحة 219 من 604

عليه،فخرج بالناس إلى الحج،ورمى عثمانُ إلى الزبير بوصيته،وجمع أهلَ المدينة وودَّعهم،ولم يَدُرْ بِخَلَدِ أحد أن الثوار مُقْدِمون على قتل الخليفة.

لما اشتد الحصار على عثمان ـ رضي الله عنه ـ ورأى الصحابةُ بالمدينة ما آلَ إليه الأمرُ،هَبُّوا لنجدة خليفتِهم،لكن عثمانَ الرحيمَ كان أمرُه عجبًا،يمنع الصحابة من الدفاع عنه،ويرفض النجاةَ من سيوف قاتِلِيه،إذا كان ثمنُ هذه النجاة قطراتِ دمٍ تُرَاقُ من مسلم بريء..!!

يدخل عليه عليّ،متقلِّدًا سيفَه للدفاع عنه ويستأذنه في قتالهم.

ويرسل إليه الزبيرُ والأنصارُ في الإذن لهم بالدفاعِ عنه والقتالِ دونه.

ويبعث كبارُ الصحابة بأبنائهم ليدافعوا عنه ولِيَبْقَوْا في داره يَحْمُونَه.

ويأتي أبو هريرة شاهرًا سلاحَه في اهْتِيَاجٍ شديدٍ،ويُحمِّسُ الناسَ للقتال وللدفاع عنه..

فإذا بعثمان يَصيح في الصحابة الذين تجمّعوا حول دارِه ليواجهوا الثوار بالسلاح قائلا:"إن أعظمَكم عنِّي غناءً،رجلٌ كَفَّ يدَه وسلاحَه..!!"

وحين يَعلم أن عُصْبَةً من شباب المسلمين على رأسهم الحسنُ والحسينُ وابنُ عمر وعبدُ الله بن الزبير ومروان بن الحكم،ما زالوا عند داره قد أخذوا مكانَهم لحِراستِه،وشهروا سلاحَهم ـ يتفطَّر قلبُه أسى،ويدعوهم ويتوسل إليهم قائلًا: أناشِدُكم اللهَ،أسألُكُم بِهِ،ألا يُرَاقَ بسببي مِحْجَمُ دَمٍ..!!!

أحس عثمان ـ رضي الله عنه ـ بقرب أجله،وتيقن مِن تَحَقُّقِ موعودِ رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ باستشهاده بين لحظة وأخرى،وهو يَرْقُبُ حضورَ هذا الأجلِ ولا يَرهَبُه؛ لذا أسرع ورمَى من فوق الدار بوصيته إلى أخيه الزبيرِ بن العوام،وكان مكتوبا فيها:

"هذه وصية عثمان: بسم الله الرحمن الرحيم،عثمانُ بنُ عفانَ يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،وأن محمدًا عبدُه ورسوله،وأن الجنة حق،وأن النَّارَ حقٌّ،وأنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ في القبور ليومٍ لا ريب فيه،إن الله لا يخلف الميعاد،عليْها يَحْيَا وعليْها يَموتُ وعليْها يُبْعَثُ إنْ شاء الله تعالى".

وجمع عثمانُ الناسَ لمَّا رأى تشديد المتآمرين الحصار عليه،وتيقن من دنُوِّ أجلِه،وعزم على المسلمين أنْ يَنصرفوا فلا يقاتلوا عنه،وعزم له المسلمون على الصبر والامتناع على البغاة بسلطان الله،فقال: اخرُجُوا ـ رَحِمَكُم اللهُ ـ فكُونوا بالباب..

وأرسلَ إلى طلحةَ والزبير وعليّ وعِدَّةِ رجال من الصحابة أن يقتربوا منه،فلما اجتمعوا أشْرَفَ عليهم مِن الدار،وقال:"يا أيها الناس،اجْلِسوا،فجَلَسوا جميعا؛ أهلُ المدينة والطارئون عليها.. فقال:"يا أهل المدينة،إني أستودعُكم اللهَ،وأسألُه أن يُحسِنَ عليكم الخلافةَ من بعدي،وإنِّي والله لا أَدخل على أحدٍ بعد يومي هذا حتى يَقضيَ اللهُ فِيَّ قضاءَه؛ ولأَدَعَنَّ هؤلاء وما وراء بابي غيرَ مُعطِيهم شيئًا يتخذونه عليكم دَخَلًا في دين الله أو دنيا حتى يكون اللهُ ـ عز وجل ـ الصانعَ في ذلك ما أَحَبَّ .."."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت