الصفحة 218 من 604

ضمير المهاجر إلى الله وخلقَه وتصميمَه،ولا نلمح فيها مناورةً ولا حرصًا على الحياة،إذْ قال ـ رضي الله عنه ـ للمغيرة:".. أما أن أخرج إلى مكة فإنهم لن يستحلُّوني بها؛ فإني سمعت رسولَ الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يقول: يُلْحِدُ رجلٌ من قريش بمكة يكون عليه نصفُ عذابِ العالمِ،فلن أكونَ أنا إيّاه".

وأما الخروج إلى الشام،فقال:".. لا والله،لن أفارق دارَ هجرتي ومجاورةَ رسول الله ما حَيِيتُ...".

وقال:"إني أستحْيِي أن أخرج من بينهم خائفا فيراني أهل الشام،وتسمع الأعداء من الكفار ذلك..".

وأما الخروج لقتالهم فقال:"والله لن أكون أولَ مَنْ يَخْلُف رسولَ الله في أمته بسفك الدماء..!! فإني أرجو أنْ ألقَى اللهَ وليس يُراق بسببي مِحْجَمَةٌ (قدر قليل) من دَمٍ..!!"

أيُّ ورعٍ،وأي جلالٍ هذا..؟؟ خليفة تتأجج من حوله الفتن،وتُحاك له المؤامرات،وهو لا يريد مهما تكن العواقبُ أن يواجه هذا التمردَ بقوة السيف،مكتفيا بالزجر والتهديد.. ومع مَنْ؟؟ مع أناس يهاجمونه بألسنة حِدادٍ،ويُحرّضون على خلعه وقتله!.. رجلٌ يحيط به بغاةٌ مسلحون يريدون رأسه،وأمامه فرص النجاة والخلاص،ثم يرفضُها جميعا؛ لأنها ستنال من هيبة الدولة ومكانتها،وستنال أيضا من كرامة هجرتِه وثوابها.. ؟؟!!

وفي أية سِنٍّ كان وهو يحملُ هذا الولاء الفَتِيَّ الشابَّ للهجرة ولِحَقِّها،ويرفعُ هذا اللواء للدفاع عن مكانة الدولة وهيبتها..؟! في سن تجاوزت الثمانين..!! إنه يرفض أيَّ نقص شكلي أو موضوعي للدولة وسلطانها ومبادئها،أو للهجرة وحقها ولو كان ثمن الرفض حياته..!!

وصل إلى مسامع البُغاة تحركُ جيوش الأمصار لنجدة الخليفة،فأصروا على حَصْرِهِ والتضييق عليه،حتى منعوا عنه الطعام والماء،بل والصلاةَ في المسجد،وتهددوه بالقتل،ولهذا ذكّرهم بتوسعتِه للمسجد النبوي من ماله ـ وهو أول من مُنِعَ من الصلاة فيه ـ وأنه وَقَفَ بئرَ رومة على المسلمين ـ ومُنِع الشُّربَ من مائها ـ وذَكَرَ لهم سابقتَه في الإسلام وأعمالَه مع الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ علَّ كلماتِه تنجح في كفِّهم عنه وردِّهم إلى الطاعة لله ولرسوله وأولي الأمر منهم. ولكنهم لجُّوا في طغيانهم يَعْمَهُون،وأبَوْا إلا الباطل والبقاء على ما هم عليه من البغْيِ والعدوان،ومضوا يلتمسون العلل التي يحتجُّون بها لتبرير قتله.

ومنعوا الناس من الدخول إليه والخروج من عنده،حتى اشتد عليه الحال،وضاق المجال،ونَفِدَ ما عنده من الماء،فاستغاث بالمسلمين في ذلك،فكان أسرعَهم نجدةً له عليُّ بن أبي طالب وأم حبيبة بنت أبي سفيان زوجُ النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ التي بادرت بنجدته،فنالها منهم شدةٌ عظيمة،ولم يبق لعثمان وأهله من الماء إلا ما يوصله إليهم آل عمرو بن حزم في خُفْيَةٍ ليلًا.

ولَمَّا وقع هذا أعْظَمَه الناسُ جدًا،ولزِم أكثرُهم بيوتَهم،وجاء وقت الحج فخرجت السيدة عائشة لتبتعد عن جحيم الثائرين وحماقتهم،وأشرف عثمانُ على الناس محاوِلا أنْ يَصرف عنه مَنْ يريد القتال؛ كي لا يراق دَمٌ بسببه،ساعيا للنهوض بحق الأمة وهو محصور؛ فوَلَّى ابنَ عباس إمارة الحج،وأقسم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت