فهرس الكتاب
السابقين إلى الإسلام،أو أهل الحَلّ والعَقْدِ الذين لهم حق الخلع والتأمير،بل كانوا جماعاتٍ من رجال القبائل الذين أنكروا تفضيلَ قريش عليهم في الحكم والعطاء،ومن المخدوعين بالدعاية السَّبَئِيّة النشطة التي تبغي الكيد للإسلام من وراء ستار،وتستهدف مسيرتَه في الفتح والجهاد..
وكان زعماؤهم رجالا لم يحسنوا فقه الإسلام في التغيير،أو ممن غاظهم بعضُ اجتهاداتِ عثمانَ أو أحكامه ضد بعض رجال عشائرهم ممن أقام عليهم الحدود الشرعية،ومَنْ أوى إلى هؤلاء وأولئك من الأعراب واللصوص وطلاب الدنيا الذين لا تتحقق أهدافهم في أجواء الاستقرار والأمن.
ولا يستقيم نظامٌ لجماعة ولا لدولة إذا كانت كلما أراد فريق من أبنائها تغيير أمير ثاروا عليه فخلعوه أو قتلوه..
وللإسلام منهجه في تغيير الأمير إذا كان جائرًا،فيتحتّم توافر الرغبة العامة من أولي النُّهَى وأهلِ الحل والعقد في هذا التغيير،ووجودُ القوة القادرة عليه،مع ضرورة ألا يؤدي ذلك إلى إحداث منكر أكبر منه وأشد خطرًا،مثلما حدث في هذه الفتنة الهوجاء.
كان الصحابة من المهاجرين والأنصار ـ رضي الله عنهم ـ يرون أنهم شركاء للخليفة في المسئولية وحماية المجتمع من الشرور والفتن،لذا شاركوا في محاولات تهدئة الأمور،وإبطال أصوات الاحتجاج الباطلة ضد الخليفة،وبذلوا في ذلك جهدا مضنيا،وتحملوا مع خليفتهم فوق طاقتهم.
وكانت الرياح التي يثيرها المتمردون من كل جانب تتحدى زورق الصحابة المستبسل،وتعصف بمحاولاتهم النبيلة.. بَيْد أنهم لم ييأسوا،وظلوا يغالبون العاصفة،ويُهدِّئون بحوارهم المقْنِع عالِيَ صوتِها،ولكن الفتنة كانت قد جاوزت كل الحدود،واستحكمت من قلوبٍ مريضةٍ وعقولٍ معطَّلةٍ،فلم يعد للحكمة ولا للإقناع مكان.
لقد شدد المتمردون حصارهم القاسي حول دار الخليفة؛ فمنعوا عنه زوارَه ومنعوا عنه الماء الذي تتفجر به"بئر رَومة"التي اشتراها ـ رضي الله عنه ـ من خالص ماله في أوائل أيام الهجرة إلى المدينة،وجعلها هدية منه للمسلمين!!
في ظل هذه الغيوم الكثيفة،والخطر المُحْدق بالخليفة،لم يتخلَّ الصحابة عن تقديم العون لخليفتهم،وشاركوه المحنة،وعرضوا عليه حلولًا واقتراحاتٍ لتجنيب الأمة هذا الخطر المحدق بها،فتقدم المغيرة بن شعبة إلى عثمان بهذا الرأي:"يا أمير المؤمنين،لقد نزل بك ما ترى.. وإني أشير عليك بثلاث،اخترْ إحداهن: إما أن تخرج فنقاتلهم،فإن معك قوة وعددا،وأنت على الحق وهم على الباطل،وإما أن نفتح لك من خلف الدار بابا تخرج منه في غفلة منهم حيث تَحملك رواحلُك إلى مكةَ،فإنهم لن يستحلُّوا دمَك وأنت بها،وإما أن تلحق بالشام: فإنهم أهلُ الشامِ،وفيهم معاوية"..
وتزداد شدة الحصار،ويكاد المتآمرون يفعلون جريمتَهم النكراء،فيشير عبد الله بن الزبير بمثل ما أشار به المغيرة بن شعبة؛ والعجيب أن إجابة أمير المؤمنين تكاد تكون متماثلة في كلا الموقفين،ونلمح فيها