فهرس الكتاب
لم يكن يَخفى على الخليفة عثمان أن الحوار مع المعترضين واحدٌ من أهم الأساليب التي تكشف الحقائق،وتزيل أسباب الخلاف،لذا كان لا يغلق باب الكلام بينه وبين مَنْ يَعترض عليه حتى يجلِّي له الحقائق؛ فاستدعى الأشْتَرَ النَّخَعيَّ ممثلا عن الثوار،فقال له: يا أَشْتَر،ماذا يريد الناس منِّي؟ قال: ثلاثا ليس من إحداهن بُدٌّ؛ قال: ما هي؟ قال: يخيّرونك بين أن تخلع لهم أمرَهم،فتقول: هذا أمرُكم فاختاروا له مَنْ شئتم،وبين أنْ تَفتديَ مِنْ نفسك مَنْ قد ضربتَه أو جلدتَه أو حبستَه،فإن أبَيْتَ هاتَيْن فإن القومَ قاتِلُوك.
فقال له: لا والله لأَنْ أُقدَّم فتُضْرَبَ عنقي أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أَخْلَعَ قميصا قمَّصنيه اللهُ،وأتركَ أمةَ محمد ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يَعْدُو بعضُها على بعض،ويولِّي السفهاءُ مِن الناسِ مَنْ يختارونه هم،فيقع الهَرْجُ (أي: القتل وفساد الأحوال واختلالها) ،ويفسد الأمر.
"وأمَّا أنْ أُقِصَّ من نفسي،فوالله لقد علمتُ أن صاحِبَيَّ بين يديَّ (أبا بكر وعمر) قد كانا يعاقبان،وما يقوم بدني بالقصاص ( لضعفه وكبر سنه) ."
ثم قال:"وأما أنْ تقتلوني؛ فوالله لئن قتلتموني لاتتحابُّون بعدي أبدًا،ولا تُصَلُّون جميعًا بعدي أبدًا،ولا تقاتِلون بعدي عدوًا جميعًا أبدًا."
وطلبوا منه أن يعزل نوابَه عن الأمصار ويولِّي عليها مَنْ يريدون هم ـ وإن لم يعزلْ نفسَه ـ وأن يسلِّم لهم مروانَ بن الحكم ليعاقبوه،وقد اتهموا مروان بأنه هو الذي زوَّر على عثمانَ الكتابَ المزعومَ إلى مصر. فخشِيَ عثمان أن يسلِّم إليهم مروان فيقتلوه،فيكون سببا في قتل امرئ مسلم،وما فعل شيئا يستحق بسببه القتلَ.
وأما تولية مَنْ يريدونه هم على الأمصار،فعاقِبَةُ ذلك أنْ يولِّي السفهاءُ من الناس مَنْ يختارونه هم،فيقع الهَرْجُ ويفسد الأمر بسبب ذلك.
وقال لهم فيما قال:"وأي شيء إليَّ من الأمر إنْ كنتُ كلما كرهتم أميرًا عزلتُه،وكلما رضيتم عنه ولَّيْتُه.."؟!
فقام الأشترُ من عنده،وانطلق بردود عثمان إلى أصحابه من قادة الفتنة،وما هي إلا أيام حتى جاءوا لتنفيذ جريمتهم المشئومة.
وكان الخليفة قد استوثق من صحة موقفه من أحد أجلاء الصحابة،وهو عبد الله بن عمر الذي قال للخليفة:"لا تخلع قميصَ اللهِ عنك،فتكون سنة،كلما كره قوم خليفتَهم خلعوه أو قتلوه".
لم يستسلم عثمان لمطالب الثوار،ولم يسلّم لهم مصاير الإسلام،وأَبَى إلا أن يحفظ كرامة الدولة ومبادئ الحكم في الإسلام .
وطَّنَ أمير المؤمنين عثمان نفسَه على التضحية،وذلك هو ما يتفق مع طبيعة الأحداث،فلم يكن الثائرون على عثمان ممثِّلين للأمة لتجب عليه طاعتُهم وخَلْعُ نفسِه من الخلافة،ولم يكن زعماؤهم من