فهرس الكتاب
ليمنعوهم من ذلك،في محاولة لمنع انتشار الحريق،وأرسل كبارُهم أولادَهم ليكونوا قريبين من الخليفة.. فخرجت وفود من الثوار المنحرفين ليكلموا كبار الصحابة في دخول المدينة،فرفضوا جميعًا دخولَهم وزجروهم؛ فلما يَئِسُوا من دخولِها تظاهروا بالانصراف عنها وأنهم راجعون إلى بلدانهم،وبدأوا في الرحيل حتى اطمأن أهل المدينة فانصرفت جموعُهم،وسار الثوار أيامًا راجعين ثم كرّوا عائدين إلى المدينة،ودخلوها على حين غفلةٍ من أهلها،وحاصروا دار عثمان،وسألوا الخليفة عن أمر الكتاب المزعوم،الذي برع ابنُ سبأ وأتباعُه في تَلْفِيقِه،واتهموا الخليفة بأنه أرسله إلى والي مصر يأمر فيه بقتلهم. وبالرغم من أنه تبرأ من ذلك،فإنهم أصروا على المواجهة.
وبدأ الحصار وعثمان يخرج من داره فيصلي بالناس،ويصلون هم وراءَه،ويَغْشَى مَنْ يشاء وهم في عينِه أَدَقُّ من التراب،وظل يصلي بالناس ثلاثين يوما حتى شددوا عليه الحصار ومنعوه من الصلاة في المسجد،وتجرءوا عليه حتى ضربوه بالحَصَى،فأغمي عليه ـ كل هذا ولم يطلب عثمان النجدة من الأمصار،ولم يعمل باقتراحات الصحابة لاستنقاذه من أيدي الثائرين،بل طالب الناسَ بكفِّ أيديهم،ووطَّد نفسَه على الصبر والمحافظة على كرامة الدولة ومبادئ الحكم في الإسلام. ولم يُقَصِّرْ في بذل أيِّ جهدٍ لإقناع هؤلاء المتمردين بإلقاء سلاحهم،فكان لا يَمَلُّ من محاورتِهم لعلهم يتخلَّوْن عن غَيِّهم،ويعودوا إلى رشدهم،لكن الأحداث تصاعدت حتى وقعت الخطيئةُ الكبرى،ونشبت الأنياب الغادرة في جسد الخليفة الشهيد،وقتلوه مظلوما ـ رضي الله عنه.
حرص الثوار على التفريق بين الخليفة وبين أهل المدينة،لينفردوا به وينفّذوا ما يشاءون من مخططاتهم دون اعتراض،فلما ضربوا أمير المؤمنين عثمان بالحَصَى،وشُجَّ رأسُه وهو على المنبر،وسقط مغشيًا عليه،واحتُمِلَ إلى داره ـ تفاقم الأمر وطمع فيه أولئك الأجلاف الأخلاط من الناس،وألجأُوه إلى داره،وضيَّقوا عليه،وأحاطوا بداره محاصِرين له،ولزم كثيرٌ من الصحابة بيوتَهم،خاصة عندما منع البُغاةُ أميرَ المؤمنين من الصلاة،فصلى بالناس أميرُهم الغافقيُّ الذي دان له المنحرفون المصريون والكوفيون والبصريون بعد ثلاثين يوما من بَدْءِ الحصار..
عندئذ تفرق أهل المدينة في مزارعهم،ولزموا بيوتهم،فكان لا يخرج أحد ولا يجلس إلا وعليه سيفُه يمتنع به من القوم،وكانت مدةُ الحصار أربعين يوما،وفيهن كان قَتْلُ البغاة لعثمان،ومَنْ تعرض لهم أَعْمَلُوا فيه السلاحَ،وكانوا قبل ذلك ثلاثين يوما يَكُفُّون أهلَ المدينة ويمنعونهم أن يجتمعوا.
وكانت طائفة من أبناء الصحابة قد سارت إلي أمير المؤمنين عن أمر آبائهم،منهم: الحسن والحسين ابنا الإمام علي،وعبد الله بن الزبير ـ وكان أميرَ الدارِ ـ وعبدُ الله بنُ عمر،وغيرهم،وصاروا يُحَاجُّون عنه ويناضلون دونَه،يمنعون أن يصل إليه أحد منهم. واعتزل الآخرون رجاء أن يجيب عثمانُ أولئك الثوارَ إلى واحدةٍ من مطالبهم،ولم يقعْ في خاطر أحد أنَّ قَتْلَ الخليفة كان في نية الخارجين.