الصفحة 214 من 604

فقال معاوية بعد أن فاض به الكيل: والله يا أمير المؤمنين،لتُغتَالَنَّ أو لتُغْزَيَنَّ!! فقال بثبات: حسبي الله ونعم الوكيل.. فمضى معاوية إلى الشام بعد أنْ أوصى بخليفته جماعةً من كبار الصحابة..

كأنهم كانوا على موعد،بل هم بكل تأكيد كانوا على موعد،أولئك هم الثائرون في مصر والكوفة والبصرة،إذْ لم يُعجِبْهم قرار الخليفة بالإبقاء على الوُلاة،فاتجهوا إلى المدينة ليعترضوا على عثمان نفسه،وفي نفوسهم ما فيها من البحث عن موضع قدم لهم ولأقوامهم،ومزاحمة قريش ورجالها في الحكم والسلطان..

وجاءوا الحجاز في رجب من سنة خمس وثلاثين من الهجرة يُظهرون أنهم يريدون العمرةَ،وفي نيتهم مناظرةُ الخليفة ومناقشتُه لإثبات خَطَئِهِ ومجاوزته الحقَّ والصوابَ،وبالرغم من أن الخليفة يَدري أن هذه ليست هي الوجوه التي تأتي بخير،فإنه أذن لهم في الحوار معه ومناقشةِ ما عندهم،وأبدى رأيَه أمام جموع الصحابة وسكانِ أهل المدينة،وأقنعهم في جوٍّ من الحرية،ورد على كل شُبهاتهم. وبالرغم من طلبِ جماعةٍ من الصحابة معاقبةَ هؤلاء المتمردين وتأديبَهم،فإن الخليفة صَفَحَ عنهم،فرجعوا إلى بلادهم.

وأمام موقفه هذا،تبددت الموجة الأولى من الهجوم على المدينة،ولكن كان هذا الزحفُ الأولُ على عاصمة الخلافة نذيرًا بزحف آخر،وعاصفةٍ أشدَّ،تسرق من المسلمين الاستقرار والطمأنينةَ الاجتماعية العميقة التي حققها الإسلام لهم،وبادرةً لأعاصير أخرى مدمرة زاحفة.

واقتنع الخليفة من هذه التجربة بأنه لم يَعُدْ من حقه أن يتنازل عن ذرةٍ من هيبة الدولة وسلطانها،ومهما يكن هناك من مآخذ؛ فإن إقرار هذا السلطان هو الواجب الأول والأهم أمام الفوضى الجارفة،التي لم تتمثل في التهجم على شخصِ الخليفة،ومجابهته بقبيح القولِ وفاحشِ السِّبابِ فحسْب،بل تمثلت في تهديد الدولة بقوة السلاح..‍‍‍‍!!

وعندها تزدحم تمامًا صور الثبات الباهر للخليفة،وناهيك عن مواقفه العظيمة!!

ومع أن صوتَ الفتنة كاد أن يخمد أو يهدأ كثيرًا بعد لقاء الخليفة مع الثائرين،إلا أنهم اتفقوا على أن يعودوا إلى المدينة مع الحجاج في شوال من سنة 35 هـ؛ فعادوا لا ليناقشوا عثمانَ ولكن لحصارِه والاعتداءِ عليه وتَنْحِيَتِهِ..

10-حصار الخليفة عثمان رضي الله عنه واستشهاده

وتمضي الأحداثُ مسرعةً،لا ترحم الناسَ ولو بقليل من البطء؛ فلم تمض ثلاثة أشهر على رجوع الثائرين من المدينة،حتى أعد المنْدَسُّون وسط الصفوف وأصحابُ الأيادي المشبوهة ـ للعودة.

وفي شهر شوال سنة خمس وثلاثين كانت عودتُهم في صفة الحجيج،حتى تلاقى حول المدينة الثُوَّارُ من الأمصار،وعسكروا خارجها،فلما سمع أهلُ المدينة بذلك لم يأذنوا لهم بدخولها،وعسكر الصحابة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت