فهرس الكتاب
ثم نهض،ونهض الأمراء إلى بلادهم بعد أن أقرهم على أعمالهم،وصَحِبَه معاوية وعبدُ الله بن سعد في عودته إلى المدينة،لكن الكوفة ومصر ثارتا ضد والييهما،ودعا معاوية الخليفة ليخرج معه إلى الشام حيث القوة والمنعة،لكنه رفض ذلك.
لما فرغ أمير المؤمنين من اجتماعه مع وُلاته للتشاور في موسم الحج،صحبه معاوية في الطريق إلى المدينة وهو في طريقه إلى الشام.
فلما قدماها جمع عثمان كبار الصحابة،فقام معاوية وانتهز الفرصة،ناصحا لهم،قائلا: أنتم أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ وخِيرَتُهُ في الأرض،وولاةُ أمر هذه الأمة،لا يطمع في ذلك أحدٌ غيرُكم،اخترتم صاحبَكم عن غير غلبة ولا طمع،وقد كَبِرتْ سنُّه،وَوَلَّى عمرُه،ولو انتظرتم به الهَرَمَ كان قريبا؛ مع أني أرجو أن يكون أكرمَ على الله أن يبلغ به ذلك،وقد فَشَتْ (أي: انتشرت) قَالَةٌ خِفْتُها عليكم،فما عتبتم فيها من شيء،فهذه يدي ولا تُطْمِعُوا الناسَ في أمركم،فوالله إنْ طمِعوا فيها لا رأيتم منها أبدا إلا إدبارًا"."
فنهره عليّ بن أبي طالب،فقال عثمان:"صدقَ ابنُ أخي،وأنا أخبركم عني وعما وَلِيتُ: إن صاحِبَيَّ اللذَيْنِ كانا قبلي ظلما أنفسَهما ومَنْ كان منهما بسبيلٍ؛ احتسابًا،وإن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ كان يعطي قرابته،وأنا في رهطٍ أهلِ عَيْلةٍ وقلةِ معاشٍ،فبسطت يدي في شيء من ذلك لما أقوم به فيه،ورأيت أنَّ ذلك لي؛ فإنْ رأيتم ذلك خطأً فرُدُّوه،فأمري لأمركم تَبَعٌ"فقالوا: قد أصبْتَ وأحسنْتَ.
-يا أمير المؤمنين،انطلق معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك مَنْ لا قِبَلَ لك به،فأهلُ الشام أهلُ طاعة ونجدة..
-"أنا لا أبيع جوار رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ بشيء،وإن كان فيه قَطْعُ خَيْطِ عُنُقِي".
هكذا جرى الحوارُ بين معاوية بن أبي سفيان والخليفة الصالح عثمان بن عفان،ولعل وجهةَ النظر الأولى كانت تضمن حمايةَ الخليفةِ،لكنها كانت ستُعرّض الدولةَ لخطرِ الانشقاق،وربما أسهمت في إثبات التهم الباطلة الموجهة إلى أمير المؤمنين،والخليفةُ رجل زاهد في البقاء في الحياة،فهو يحمل فوق ظهره أكثر من ثمانين عامًا،ويدري أن الدنيا قصيرٌ أمدُها.. كما داعبَتْ خيالَه بُشرى الشهادةِ التي بشره بها النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فوق جبلِ أُحُد..
ويبدو أن معاوية كان رجلَ هذه اللحظة من الزمن؛ حيث أضحى الناس ـ كثيرٌ منهم ـ في حاجة إلى سلطان يجمعهم بالقوة واللين معا،ويقرّبهم إليه ويحتاط منهم،ويقدم القوةَ في مواضعَ على الِّلين والرفقِ..
وأشار معاوية على الخليفة بأن يرسل إليه من جنود الشام مَنْ يَحْميه،لكن عثمان خشي أن يضيّق على أهل المدينة معايشَهم وأرزاقَهم،فأبَى ذلك أيضا..