الصفحة 231 من 604

لكنّ المتآمرين ضد الإمام الشهيد عثمان ـ رضي الله عنه ـ من السبئيّة ومثيري الفتن ساءهم ذلك الصلحُ،وأحسّوا خطرًا على أنفسهم في تمامه؛ لذا تآمروا حتى قتلوا اتفاق الصلح قبل أن يتم،ووقع لذلك قتالُ يوم الجمل المشئوم.

كانت مواطنُ الضعف في معسكر الإمام عليّ هي وجودُ كثيرٍ من المُنْدَسِّينَ فيه ممن اشتركوا في قتْلِ عثمان أو التخطيط له،وعلى رأسِهم مَنْ حادَّ اللهَ ورسولَه عبدُ الله بن سبأ والأشْتَرُ النَّخَعِيّ،ولم تكن لعليّ ـ رضي الله عنه ـ حيلةٌ في وجودهم معه،ولا قدرةٌ على إبعادهم في هذه الظروف؛ إذْ كانوا قوةً كبيرةً تساندُهم عصبيات قَبَلِيّة. وقد أدرك زعماؤهم الذين تولَّوْا تأجيجَ الثورةِ على عثمانَ أن الصلح بين الفريقين سيقوِّي عليّا بانضمام الفريق الآخر إليه،ويجعل من الفريقين جبهةً واحدة قوية يَسْهُلُ أنْ تَثْأَرَ لعثمان من قَتَلَتِه،فعزموا على إفْساد الأمرِ كلِّه،وتداوَلُوا الرأيَ بينهم،حتى انْتَهَوْا إلى ضرورة إشْعال القتال من جديد.

وفي ليلة الصلح؛ وبينما الناسُ في معسكر عليّ ومعسكر طلحة والزبير نائمون،تُداعب رءوسَهم أحلامُ وأمانيُّ العودةِ إلى وحدة الصف واتفاق الكلمة ـ إذا بهم يَفْزَعُونَ لأصواتِ السيوف وَصَيْحات الجنود،وكأنه حُلْمٌ مُزعج،لكنه ـ يا أسَفَا ـ كان قتالًا حقيقيا أشعله السبئيّةُ والثائرون على عثمان ـ رضي الله عنه ـ وقامت الحرب حاميةً على قَدَمٍ وساقٍ،وتبارز الفرسان،وجالت الخيل،وقد اجتمع مع عليّ عشرون ألفا،والتفَّ حول عائشة نحوٌ من ثلاثين ألفا.

وبدأت المعركة ومنادِي عليٍّ ينادي: أيُّها الناس،كُفُّوا فلا شيء،ألا كُفّوا،ألا كُفّوا،فلا يَسمع له أحد.

ودارتْ رَحَى معركةِ الجملِ حاميةً،وخسر المسلمون فيها وحْدَتَهم،كما خلَّفت الكثير من المآسي؛ لعل أبرزها مقتل طلحة والزبير.

إن صوت الفتنة يُلَبِّس على العقلاء أمرَهم،ويتركُهم حَيَارَى؛ لا يَدْرُونَ موضعَ الحق ولا موقعَ الباطل،يُيَمِّمُون جهةَ المشرق فيجدون أن هذا الذي اختاروه خطأ،فإذا اتجهوا صَوْبَ المغرب تبيَّنُوا خطأَ مُخْتَارِهم أيضًا،فلا يجد العاقل إلا أن يضع رأسَه بين يديه،يعتصرُها من فَرْطِ الحيرة..!!

إن الفتن تَنتج كثيرا بسبب الأيدي العابثة من وراء حجاب،وبسبب المطامع الجارفة التي تصيب بعض طوائف المجتمع...

كانت الفتنة التي شَهِدها عصرُ الراشدين بعد عام خمسة وثلاثين للهجرة قَدَرًا أقوى من هؤلاء الصحابة الذين عاصروها،فقد أدى الانقلابُ الهائل الذي أحْدثه التوسعُ الإسلامي في العالم المعمور حينئذ إلى أنْ يَبْرُزَ على صفحة المجتمع أناسٌ أقلّ قدرةً وحرصا على حراسة الدين والقيم..

لقد كان هناك رجال جمعهم أبو بكر حولَه حين برزت المخالب الحادة للردّة التي كانت فتنةً أقْوى من الفتنة التي اشتعلت بقتل الأمير الصالح عثمان بن عفان،لكن الرجال حينها كانوا غيرَ الرجال!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت