فهرس الكتاب
والحقُّ أن العجز عن مغالبة الفتنة وإطفاءِ نيرانِها لم يكن عيبًا في الصحابة الذين عاشوا أحداثَها؛ إذْ كانت سيْلًا جارِفا جاء عقب التغيرات الكبرى،ولم ينجح المجتمع في صَدِّه ومساندةِ هؤلاء الصحابة لاستيعابه.
لقد نجح قَتَلَةُ عثمان؛ مَرْضَى القلوبِ المتآمرون على المجتمع المسلم ـ في إشعال الحرب بين معسكر عليّ بن أبي طالب وبين معسكر طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنهم ـ حينما هاجموا معسكر أهل البصرة تحت ستار الليل،فقام الناسُ إلى سيوفهم.. ومع حرص الصحابة على كَفِّ الأيدي ووقف القتال،ومحاولتِهم السيطرةَ على الحريق الكبير،إلا أنهم وجدوا أنفسهم يُدفَعون إلى الحرب دَفْعًا،حتى لم يجدوا من القتال والدّفاع عن الأنفس بُدًّا..
وكان من رأيهم جميعا في تلك الفتنة العمياء ألا يقاتِلوا حتى يُبْدَأُوا بقتال،يطلبون بذلك الحُجةَ على الآخرين،لا يقتلون مُدْبِرًا،ولا يُجْهِزُون على جريح،ولا يَسْتَحِلُّون سلبا،وكان ذلك مما اجتمع عليه الفريقان ونادَوْا به فيما بينهم.
وكان من الوقائع الكبرى للمعركةِ استبسالُ أهلِ البصرة حول جَمَلِ أمِّ المؤمنين عائشة،دفاعا عنها وحماية لها،حتى قُتل الجملُ فانْفَضُّوا،وانْكَشَفَ القتال عن هزيمة أهل البصرة. وتَرَكَ الزبيرُ الميدانَ وقُتل في طريق عودته،وقُتل طلحة بسهم طائش.
كانت أم المؤمنين راكبةً هَوْدَجَها تحاول وَقْفَ القتال،لكن السبئيّة ما كانوا لِيَفْتُرُوا عن إشعال نارٍ يحتمون بها،وحاول أيضًا أميرُ المؤمنين عليٌّ وقف القتال فما أفْلَحَ.
وثبتَ أهلُ البصرة حول الجمل،ودار القتال هناك مريرا،وتفانَى الناس محيطين بأم المؤمنين مدافعين عنها،ولم تُؤْذِن المعركة بانتهاءٍ إلا بعَقْرِ الجمل،وساعتَها انصرف أهلُ البصرة منهزمين.
ونادى عليّ بالأمان،وضرب أرْوع الأمثلة في سيرته مع مَنْ قاتل يومَ الجمل،فأكرم أُمَّهُ أمَّ جميعِ المؤمنين عائشةَ ـ رضي الله عنها ـ وعاقب من انْتَقَصَها،وتوجَّع على قتلى الجمل،وحزن حزنا شديدا عليهم،وحرّم على أتباعه سَبْيَ أهل الجمل أو أخْذَ أموالهم. وكذلك كسا الحزنُ أمَّ المؤمنين عائشة؛ فكانت تبكي حتى تبل خِمارَها،وندم كبار الصحابة على ما كان يوم الجمل ندمًا شديدا،وأَخَذَ عليّ البَيْعة من أهل البصرة،وأمَّر عليها ابنَ عباس،وانتقل إلى الكوفة واتخذها عاصمة،وهكذا انتهتْ هذه الموقعةُ بهذا الشر المستطير في يومٍ مُظْلِمٍ في تاريخ الأمة.
أشعل قَتَلَةُ عثمان القتالَ فذهب كَعْبُ بن سُور قاضي البصرة إلى أمِّ المؤمنين عائشة يخبرها بالأمر،لعلها تستطيع أنْ تُوقف القتال بما لها من حرمة وتأثير،فقال لها كعب مستغيثا: أدْرِكِي،فقد أَبَى القومُ إلا القتال،لعل اللهَ يُصلِحُ بِكِ. فركِبَتْ،فلما كانت وهي على الجمل بحيث تُسْمِعُ العامةَ ـ وقف رَكْبُهَا.. واقْتتل الناس،فقالت أم المؤمنين لكَعْب بن سُور: خَلِّ عن الجمل وتقدَّمْ بالمصحف